الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ثم اعلم أن الأحاديث الدالة على أن الشهادتين سبب لدخول الجنة والنجاة من النار لا تناقض بينها وبين أحاديث الوعيد التي فيها : من فعل ذنب كذا فالجنة عليه حرام ، أو لا يدخل الجنة من فعل كذا ، لإمكان الجمع بين النصوص بأنها جنان كثيرة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وبأن أهل الجنة أيضا متفاوتون في دخول الجنة في السبق وارتفاع المنازل ، فيكون فاعل هذا الذنب لا يدخل الجنة التي يدخل فيه من لم [ ص: 428 ] يرتكب ذلك الذنب ، وهذا واضح مفهوم للعارف بلغة العرب . وكذلك لا تناقض بين الأحاديث التي فيها تحريم أهل هاتين الشهادتين على النار وبين الأحاديث التي فيها إخراجهم منها بعد أن صاروا حمما لإمكان الجمع بأن تحريم من يدخل بذنبه من أهل التوحيد بأن تحريمه عليها يكون بعد خروجه منها برحمة الله ثم بشفاعة الشافعين ، ثم يغتسلون في نهر الحياة ويدخلون الجنة فحينئذ قد حرموا عليها فلا تمسهم بعد ذلك .

أو يكون المراد أنهم يحرمون مطلقا على النار التي أعدت للكافرين التي لا يخرج منها من دخلها ، وهي ما عدا الطبقة العليا من النار التي يدخلها بعض عصاة أهل التوحيد ممن شاء الله تعالى عقابه وتطهيره بها على قدر ذنبه ، ثم يخرجون فلا يبقى فيها أحد . وهذه إشارة كافية في هذا الموضع ، وسنذكر إن شاء الله تعالى بسط ذلك في موضعه عند ذكر الشفاعات ، ونذكر الأحاديث التي فيها هذا وهذا ، والأحاديث التي يكون بها الجمع بين ذلك ، وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في هذا الباب كلاما حسنا بعد سياقه حديث معاذ وحديث أبي ذر وحديث عبادة وقد تقدمت مع غيرها من الأحاديث . قال : وأحاديث هذا الباب نوعان : أحدهما ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها ، وهذا ظاهر ، فإن النار لا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص ، بل يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طهر من ذنوبه بالنار ، وقد يعفو الله عنه فيدخله الجنة بلا عقاب قبل .

وحديث أبي ذر معناه أن الزنا والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد ، وهذا حق لا مرية فيه ، وليس فيه أن لا يعذب عليها مع التوحيد ، وفي مسند البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : " من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر يصيبه قبل ذلك ما أصابه " . الثاني فيه أن يحرم على النار ، وقد حمله بعضهم على الخلود فيها أو على ما يخلد فيها أهلها . وهي ما عدا الدرك الأعلى من النار ، فإن الدرك الأعلى يدخله كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين [ ص: 429 ] وبرحمة أرحم الراحمين .

وفي الصحيحين : " إن الله تعالى يقول : وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله " . وقالت طائفة من العلماء المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتض لذلك ، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه ، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع ، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو أظهر ، وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته : ما أعددت لهذا اليوم ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة . قال الحسن : نعم العدة ، لكن للا إله إلا الله شروطا فإياك وقذف المحصنات .

وقيل للحسن : إن ناسا يقولون : من قال لا إله إلا الله دخل الجنة . فقال : من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة . وقال وهب بن منبه لمن سأله : أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله ؟ قال : بلى ، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان ، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك . وهذا الحديث : " إن مفتاح الجنة لا إله إلا الله " أخرجه الإمام أحمد بإسناد منقطع عن معاذ رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا سألك أهل اليمن عن مفتاح الجنة فقل : لا إله إلا الله " ويدل على هذا كون النبي صلى الله عليه وسلم رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص ، كما في الصحيحين عن أبي أيوب أن رجلا قال : يا رسول الله ، أخبرني بعمل يدخلني الجنة . قال : " تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم " . وفي صحيح مسلم عن أبي [ ص: 430 ] هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال : يا رسول الله ، دلنى على عمل إذا عملته دخلت الجنة . قال : " تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان " فقال الرجل : والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا أنقص منه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا " .

وفي المسند عن بشير بن الخصاصية قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأن أقيم الصلاة ، وأن أوتي الزكاة وأحج حجة الإسلام ، وأن أصوم رمضان ، وأن أجاهد في سبيل الله . فقلت : يا رسول الله ، أما اثنتين فوالله ما أطيقهما ; الجهاد والصدقة . فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حركها وقال : " فلا جهاد ولا صدقة ! فبم تدخل الجنة إذا ؟ " قلت أبايعك ، فبايعته عليهن كلهن " . ففي الحديث أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج ، ونظير هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ففهم عمر وجماعة من الصحابة أن من أتى الشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك ، فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة . وفهم الصديق رضي الله عنه أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها ; لقوله صلى الله عليه وسلم : " فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " . وقال : الزكاة حق المال . وهذا الذي فهمه الصديق رضي الله عنه قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحا غير واحد من الصحابة ، منهم ابن عمر وأنس وغيرهما رضي الله عنهم ، وأنه قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة [ ص: 431 ] ويؤتوا الزكاة " .

ودل على ذلك قوله تعالى : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ( التوبة : 5 ) الآية . ولا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد . ولما قرر أبو بكر رضي الله عنه هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابا ، فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقا ، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام ، فكذلك عقوبة الآخرة .

وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود ، منهم الزهري والثورى وغيرهما ، وهذا بعيد جدا فإن كثيرا منها كانت بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود ، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك وهي في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهؤلاء منهم من يقول : هذه الأحاديث منسوخة ، ومنهم من يقول هي محكمة ، ولكن ضم إليها شرائط ، ويلتفت هذا إلى أن زيادة النص هل هي نسخ أم لا ؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور ، وقد صرح الثوري بأنها منسوخة وأنه نسختها الفرائض والحدود ، وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح ، فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرا ويكون مرادهم أن آية الفرائض والحدود تبين توقف دخول أهل الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض واجتناب المحارم ، فصارت النصوص منسوخة ; أي مبينة مفسرة ونصوص الحدود والفرائض ناسخة ; أي مفسرة لمعنى تلك النصوص موضحة لها .

وقالت طائفة : تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخر ، ففي بعضها : " من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة " وفي بعضها : " مستيقنا " وفي بعضها : " مصدقا بها قلبه لسانه " وفي بعضها : " يقولها من [ ص: 432 ] قلبه " وفي بعضها : " قد ذل بها لسانه واطمأن بها قلبه " . وهذا كله إشارة إلى عمل القلب وتحققه بمعنى الشهادتين ، فتحققه بمعنى شهادة أن لا إله إلا الله أن لا يأله قلبه غير الله حبا ورجاء وخوفا وطمعا وتوكلا واستعانة وخضوعا وإنابة وطلبا . وتحققه بشهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يعبد بغير ما شرعه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا المعنى جاء مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة " قيل : ما إخلاصها يا رسول الله ؟ قال : " أن تحجزك عما حرم الله عليك " .

وهذا يروى من حديث أنس بن مالك وزيد بن أرقم ولكن إسنادهما لا يصح . وجاء أيضا من مراسيل الحسن نحوه ، وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد " لا إله إلا الله " يقتضي أن لا إله غير الله ، والإله الذي يطاع ولا يعصى هيبة وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له ، ولا يصلح ذلك كله لغير الله عز وجل ، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية ، كان ذلك قدحا في إخلاصه في قوله لا إله إلا الله ونقصا في توحيده ، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك ، وهذا كله من فروع الشرك ، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشأها من طاعة غير الله عز وجل أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه أو العمل ، كما ورد إطلاق الكفر والشرك على الربا وعلى الحلف بغير الله عز وجل وعلى التوكل على غير الله والاعتماد عليه وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة مثل أن يقول : ما شاء الله وما شاء فلان ، وكذا قوله : ما لي إلا الله وأنت ، وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة والرقى المكروهة وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون .

[ ص: 433 ] كذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادح في تمام التوحيد وكماله ، ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشأها من هوى النفس أنها كفر وشرك ، كقتال المسلم ، ومن أتى حائضا أو امرأة في دبرها ، ومن شرب الخمر في المرة الرابعة وإن كان ذلك لا يخرجه من الملة بالكلية ، ولهذا قال السلف : كفر دون كفر وشرك دون شرك ، وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع ، قال تعالى : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ) ( الفرقان : 43 ) قال الحسن رحمه الله : هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه ، وقال قتادة : هو الذي كلما هوى شيئا ركبه ، وكلما اشتهى شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع . وروي من حديث أبي أمامة مرفوعا بإسناد ضعيف : " ما تحت ظل السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع " . وفي حديث آخر : " لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن أصحابها حتى يؤثروا دنياهم على دينهم ، فإذا فعلوا ذلك ردت عليهم ويقال لهم كذبتم " . ويشهد لهذا الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : " تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد القطيفة ، تعس عبد الخميصة ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش " فدل هذا على أن من أحب شيئا وأطاعه ، وكان من غاية قصده ومطلوبه ، ووالى لأجله وعادى لأجله ، فهو عبده ، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه .

ويدل عليه أيضا أن الله تعالى سمى طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان ، كما قال تعالى : ( ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ) ( يس : 60 ) وقال تعالى حاكيا عن خليله إبراهيم عليه السلام لأبيه : ( ياأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا ) ( مريم : 44 ) فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته ، فإنه يعبد الشيطان بطاعته ، ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية [ ص: 434 ] الرحمن ، وهم الذين قال فيهم : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) ( الحجر : 42 ) فهم الذين حققوا قول لا إله إلا الله وأخلصوا في قولها وصدقوا قولهم بفعلهم ، فلم يلتفتوا إلى غير الله محبة ورجاء وخشية وطاعة وتوكلا ، وهم الذين صدقوا في قول لا إله إلا الله ، وهم عباد الله حقا ، فأما من قال لا إله إلا الله بلسانه ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته ، فقد كذب قوله فعله ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى ، ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) ( القصص : 50 ) ، ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) ( ص : 26 ) . ثم قال رحمه الله : فيا هذا كن عبدا لله لا عبدا للهوى ، فإن الهوى يهوي بصاحبه في النار ، ( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) ( يوسف : 39 ) ، " تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار " . والله لا ينجو من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده ولم يلتفت إلى شيء من الأغيار ، من علم أن إلهه ومعبوده فرد فليفرده بالعبودية ولا يشرك بعبادة ربه أحدا . انتهى كلامه رحمه الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث