الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ ص: 435 ] المسألة الثانية [ التابعي المجتهد هل يعتبر قوله في إجماع الصحابة ] [ إذا أدرك عصرهم ؟ ] إذا أدرك التابعي عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد دخل معهم فيه ، ولا ينعقد الإجماع إلا به على أصح الوجوه عند القاضي أبي الطيب ، والشيخ أبي إسحاق ، وابن الصباغ ، وابن السمعاني ، وأبي الحسين السهيلي في كتاب " أدب الجدل " له . قال : لأنهما لم يختلفا إلا في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك لا يوجب كون الحق معه . وقال القاضي عبد الوهاب : إنه الصحيح ، ونقله صاحب " اللباب " ، والسرخسي من الحنفية عن أكثر أصحابهم . قال : ولهذا قال أبو حنيفة ، لا يثبت إجماع الصحابة في الإشعار ; لأن إبراهيم النخعي كان يكرهه ، وهو ممن أدرك عصر الصحابة ، فلا يثبت إجماعهم بدون قوله ، ولنا أن الصحابة إذ ذاك بعض الأمة ، والعصمة إنما ثبتت لجميعهم . وسئل ابن عمر عن فريضة فقال : سلوا ابن جبير ، فإنه أعلم بها ، وكان أنس يسأل فيقول : سلوا مولانا الحسن ، فإنه سمع وسمعنا ، وحفظ ونسينا ، وسئل ابن عباس عن ذبح الولد فأشار إلى مسروق ، فلما بلغه جوابه تابعه عليه . والوجه الثاني : أنه لا يعتد بخلافه ، واختاره ابن برهان في الوجيز " ، ونقله في " الأوسط " عن إسماعيل ابن علية ونفاة القياس ، وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد . [ ص: 436 ]

                                                      والوجه الثالث : التفصيل بين أن يكون من أهل الاجتهاد وقت حدوث تلك النازلة فيعتد بخلافه ، وإلا فلا ، واختاره القاضي في " التقريب " ، والروياني في البحر " ، والقاضي عبد الوهاب ، والصيرفي في " الدلائل " ، وسليم في " التقريب " . قال : ومن أصحابنا من رتب المسألة فقال : إن بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة ، ثم وقعت حادثة ، فأجمعوا ، وخالفهم ، اعتد بخلافه ، وإن أجمعوا على قول ثم أدركهم ، وخالفهم ، فمن لم يعتبر انقراض العصر لم يعتد بخلافه ، ومن اعتبر انقراضه ففي الاعتداد به وجهان . ا هـ . وصور الروياني في البحر " المسألة بالمعاصر المجتهد ، فقال : يعتبر وفاقه في حجة الإجماع ، ومن أصحابنا من لم يعتبره ، وهو غلط ; لأنه من أهل الاجتهاد عند الحادثة ، فاعتبر وفاقه كالواحد من الصحابة . قال : فأما من عاصرهم وهو صبي لم يبلغ رتبة الاجتهاد ، ثم بلغها وخالفهم ، فهل يعد خلافه خلافا ؟ والمذهب أنه لا يعد ; لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد ، فهو كالمعدوم . وقال القفال : فيه وجهان : أحدهما : هذا . والثاني : يعد خلافا لقصة ابن عباس في العول . ا هـ . والذي رأيته في كتاب القفال الشاشي ما نصه : ومتى أجمعت الصحابة على شيء ثم حدث في عصرهم من بلغ مبلغ الاستدلال ، لم يكن له مخالفة [ ص: 437 ] إجماعهم ، فإن حدثت حادثة في الوقت الذي قد جاء فيه التابعي مستدلا فأجمعت الصحابة استنباطا ، ورأى خلافه ، فقد قيل : إنه خلاف ، وفيه نظر ، هذا كلامه . وحكى في " القواطع " الوجهين ، ثم قال : هذا إذا بلغ التابعي فأما إذا تقدم الإجماع على قول التابعي فإنه يكون التابعي محجوجا بذلك قطعا ، وقد اعتبر ذلك من شرط انقراض العصر ، وقد قلنا : إن هذا الاعتبار يؤدي إلى أنه لا ينعقد إجماع . ا هـ . وكلام الآمدي يقتضي طرد الخلاف مطلقا ، فإنه قال : القائلون بأنه لا ينعقد إجماعهم دونه اختلفوا ، فمن لم يشترط انقراض العصر ، قال : إن كان من أهل الاجتهاد قبل إجماع الصحابة ، لم ينعقد إجماعهم مع مخالفته ، وإن بلغ الاجتهاد بعد انعقاد إجماعهم لم يعتد بخلافه .

                                                      قاله : وهذا مذهب الشافعي ، وأكثر المتكلمين ، وأصحاب أبي حنيفة ، وهي رواية عن أحمد ، ومن شرط انقراض العصر ، قال : لا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته ، سواء كان مجتهدا حال إجماعهم أو صار مجتهدا بعد ذلك في عصرهم ، وذهب قوم إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلا ، وهو مذهب بعض المتكلمين وأحمد بن حنبل في الرواية الأخرى . قال : والمختار إن كان من أهل الاجتهاد حال إجماع الصحابة لم ينعقد إجماعهم مع مخالفته . انتهى . وتحصل أن اللاحق إما أن يتأهل قبل الانقراض أو بعده ، وعلى الأول فإما أن يوافق أو يخالف أو يسكت ، والقائل بعدم [ ص: 438 ] اعتباره لا يجعل لذلك أثرا ، والقائل به اثنان : قائل إنه لا يعتبر وفاقه ، بل يعتبر عدم خلافه . وقائل يعتبرهما . تنبيهان . الأول : الكلام في هذه المسألة لا يتصور إلا مع القائلين بأن خلاف الأقل يندفع به إجماع الأكثر ، فلهذا ذكرت . الثاني : لا يختص هذا بالتابعي مع الصحابة ، بل إذا اجتمع أهل العصر على حكم ، فنشأ قوم مجتهدون قبل انقراضهم ، فخالفوهم ، وقلنا : انقراض العصر شرط ، فهل يرتفع الإجماع ؟ على مذهبين ، وإن قلنا : لا يعتبر الانقراض فلا .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية