الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 61 ] ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومائة .

فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة فافتتح حصونا من ناحية ملطية .

وفيها سارت الترك من اللان فلقيهم الجراح بن عبد الله الحكمي فيمن معه من أهل الشام وأذربيجان فاقتتلوا قبل أن يتكامل إليه جيشه ، فاستشهد الجراح ، رحمه الله ، وجماعة معه بمرج أردبيل وأخذ العدو أردبيل . فلما بلغ ذلك هشام بن عبد الملك بعث سعيد بن عمرو الحرشي في جيش سريعا ، فلحق الترك وهم يسيرون بأسارى المسلمين إلى نحو ملكهم خاقان ، فاستنقذ منهم من كان معهم من المسلمين ومن أهل الذمة أيضا ، وقتل في الترك مقتلة عظيمة جدا ، وأسر منهم خلقا كثيرا ، فقتلهم صبرا ، وشفى ما كان تغلث من القلوب ، ولم يكتف هشام بن عبد الملك بذلك حتى أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك فسار إليهم في برد شديد وشتاء عظيم ، فوصل إلى باب الأبواب ، واستخلف عنده أميرا ، وسار هو بمن معه في طلب الأتراك وملكهم خاقان ، وكان من أمره معهم ما سنذكره ، ونهض أمير خراسان في طلب الأتراك أيضا في جيش كثيف ، فوصل إلى نهر بلخ ووجه إليهم سرية ; ثمانية عشر ألفا ، وأخرى عشرة آلاف يمنة ويسرة ، [ ص: 62 ] وجاشت الترك فأتوا سمرقند ، فكتب أميرهم إليه يعلمه بهم ، وأنه لا يقدر على صون سمرقند منهم ، ومعهم ملكهم الأعظم خاقان ، فالغوث الغوث . فسار الجنيد مسرعا في جيش كثيف نحو سمرقند ، حتى وصل إلى شعب سمرقند ، وبقي بينه وبينها أربعة فراسخ ، فصبحه خاقان في جمع عظيم ، فحمل خاقان على مقدمة الجنيد فانحازوا إلى العسكر ، والترك تتبعهم من كل جانب ، فتراءى الجمعان والمسلمون يتغدون ، ولا يشعرون بانهزام مقدمتهم وانحيازها إليهم ، فنهضوا إلى السلاح ، واصطفوا على منازلهم ، وذلك في مجال واسع ، ومكان بارز فالتقوا ، فحملت الترك على الميمنة ، وفيها بنو تميم والأزد فقتل منها ومن غيرهم خلق كثير ممن أراد الله كرامته بالشهادة ، وقد برز بعض شجعان المسلمين لجماعة من شجعان الترك فقتلهم ، فناداه ترجمان الملك : إن صرت إلينا جعلناك فيمن يرفض الصنم الأعظم فنعبدك . فقال : ويحكم ! إنما أقاتلكم على أن تعبدوا الله وحده لا شريك له . ثم قاتلهم حتى قتل ، رحمه الله .

ثم تناخى المسلمون ، وتداعت الأبطال والشجعان من كل مكان ، وصبروا وصابروا ، وحملوا على الترك حملة رجل واحد فهزمهم الله عز وجل ، وقتلوا منهم خلقا كثيرا ، ثم عطفت الترك عليهم ، فقتلوا من المسلمين خلقا حتى لم يبق سوى ألفين ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وقتل يومئذ سودة بن أبجر واستأسروا من المسلمين جماعة كثيرة ، فحملوهم إلى الملك خاقان ، فأمر بقتلهم عن آخرهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وهذه الوقعة يقال لها : وقعة الشعب . وقد بسطها ابن جرير جدا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث