الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) أي إن رحمته تعالى الفعلية التي يعبر عنها بالإحسان قريبة من المحسنين في أعمالهم المتقنين لها لأن الجزاء من جنس العمل . فمن أحسن في العبادة نال حسن الثواب ، ومن أحسن في أمور الدنيا نال حسن النجاح ، ومن أحسن في الدعاء استجيب له ، أو أعطي خيرا مما طلبه ، والجملة تعليل للأمر بالدعاء قبلها ، مبينة لفائدة الدعاء العامة كما قررنا . فهي أعم من قوله تعالى : ( ادعوني أستجب لكم ) ( 40 : 60 ) . [ ص: 411 ] والإحسان مطلوب في كل شيء بهدي دين الفطرة ، الداعي لحسنتي الدنيا والآخرة ، وجزاء الإحسان في كل شيء بحسبه . قال عز وجل : ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) ( 55 : 60 ) كما أن الإساءة محرمة في كل شيء وجزاءها من جنسها . قال عز وجل : ( ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) ( 53 : 31 ) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته " رواه مسلم عن شداد بن أوس رضي الله عنه فالإحسان واجب في دين الإسلام حتى في قتال الأعداء ؛ لأنه في حكمه من الضرورات التي تقدر بقدرها ، ويتقى ما يمكن الاستغناء عنه من شرها ، ومنه قوله تعالى : ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ) ( 47 : 4 ) أي فإذا لقيتم أعداءكم الكفار في المعركة فقاتلوهم بضرب الرقاب لأنه أسرع إلى القتل وأبعد عن التعذيب بمثل ضرب الرأس مثلا - وناهيك بتهشيم الرءوس وتقطيع الأعضاء في عهد التنزيل الذي لم يكن فيه أطباء جراحة يخففون آلامها - حتى إذا ظهر لكم الغلب عليهم بالإثخان فيهم فاتركوا القتل واعمدوا إلى الأسر ، ثم إما أن تمنوا على الأسرى بالعتق منا ، وإما أن تفدوا بهم من أسر منكم فداء .

وكذلك الإحسان في الحيوان والرفق به ، ومنه ذبح البهائم للأكل يجب أن يحسن فيها بقدر الطاقة حتى لا يتعذب الحيوان ، ولهذا حرم الله الموقوذة وهي التي تضرب بغير محدد حتى تنحل قواها وتموت .

ومن العبرة في الآية أن الماديين من البشر يعدون الرحمة ضعفا في النفس تجب مقاومته بالتعليم والتربية ، أي بإفساد الفطرة الإلهية التي أودع فيها الرب الرحيم جزءا من مائة جزء من رحمته يتراحم بها خلقه ويتعاطفون ، وقاعدة التربية المادية أن أمور الحياة كلها تجارة يقصد بها الربح العاجل ، فإذا رأيت امرأ أو طفلا أو عشيرة أو أمة عرضة للآلام والهلاك ، ولم يكن لك ربح وفائدة خاصة من دفع الهلاك عنهم فلا تكلف نفسك ذلك ، وإذا كان لك أو لقومك ربح من ظلم فرد من الأفراد أو شعب من الشعوب وإشقائه بالاستعباد ، وإفساد الأخلاق وإرهاق الأجساد ، فافعل ذلك وتوسل إليه بكل الوسائل التي يدلك عليها العلم وتمكنك منها القوة ، بل هم يربون أولادهم على ألا ينالوا منهم شيئا إلا بعمل [ ص: 412 ] يعملونه لهم ، ليطبعوا في أنفسهم ملكة طلب الربح من كل عمل ، وهذا حسن إذا لم ينزعوا منها عواطف الرحمة وحب الإحسان بمراغمة الفطرة وإفسادها .

على هذه القاعدة قام بناء الاستعمار الإفرنجي في العالم ، فكل دولة أوربية تستولي على شعب من الشعوب تعني أشد العناية بإفساد أخلاقه وإذلال نفسه واستنزاف ثروته ، وكل ما تعمله في بلاده من عمل عمراني كتعبيد الطرق وإصلاح ري الأرض فلأجل توفير ربحها منها ، وتمكينها من سوق جيوشها التي تستعبد بها أهلها ، وقد قرأنا في هذا العام مقالات لسائحة أميركانية طافت كثيرا من المستعمرات الأوربية في الشرق الأقصى ، وصفت إذلال المستعمرين فيها للأهالي بنحو جرهم لعرباتهم ، والدوس على رقابهم وظهورهم ، وإفساد أنفسهم وأجسادهم بإباحة شرب سموم الأفيون والكحول ( الخمور الشديدة السم ) ، وسلب أموالهم بوسائل نظامية - فذكرت ما تقشعر منه جلود المؤمنين ، وتشمئز نفوس الرحماء المهذبين ، ومن ذا الذي يستغرب منهم هذا بعد أن علم ما أقدموا عليه في حرب بعضهم لبعض في بلادهم ( أوربة ) من القسوة والتخريب والتدمير ؟ فهم يروون أن قتلى هذه الحرب بلغت عشرة ملايين شاب ، والمشوهين المعطلين من الجراح زهاء ثلاثين مليونا ، وأن نفقات التدمير قدرت بخمسمائة ألف مليون جنيه إنكليزي ، وهي لو أنفقت على إصلاح كل ممالك المعمورة لكفت ، ولا تزال الدول الظافرة المسلحة ترهق الذين لا سلاح بأيديهم وتحاول الإجهاز عليهم . فأين هذا من قتال الإسلام وفتوحه المبني على قاعدة كون الحرب ضرورة تقدر بقدرها ، ويفترض الإحسان والرحمة بقدر الإمكان فيها ؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن مر بامرأتين من اليهود على قتلاهما " أنزعت الرحمة من قلبك حتى مررت بالمرأتين على قتلاهما ؟ " وقد شهد لنا المؤرخون المنصفون من الإفرنج بذلك حتى قال بعضهم : ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب - يعني المسلمين منهم . اللهم ارحمنا واجعلنا من الراحمين ، وأجرنا من شر المفسدين القساة الظالمين .

ومن مباحث اللفظ في الآية أن كلمة ( قريب ) وقعت خبرا للرحمة ، ومن قواعد النحو أن يكون الخبر مطابقا للمبتدإ في التذكير والتأنيث بأن يقال هنا " قريبة " وقد ذكروا في تعليل هذا التذكير هنا وتوجيهه بضعة عشر وجها ما بين لفظي ومعنوي ، بعضها قريب من ذوق اللغة وبعضها تكلف ظاهر . ( منها ) أن التذكير والتأنيث هنا لفظي لا حقيقي فلا تجب فيه المطابقة ، وفيه أن الأصل فيه المطابقة فلا تترك في الكلام الفصيح إلا لنكتة . ( ومنها ) . ولك أن تجعله نكتة جامعة بين التوجيه اللفظي والمعنوي - أن معنى الرحمة هنا مذكر . قيل : هو المطر . وهو ضعيف . والصواب أن معناها الإحسان العام لأنها في هذا المقام صفة فعل لا صفة ذات ، إذ لا معنى لقرب الصفات الإلهية الذاتية من المخلوقين ، [ ص: 413 ] فيكون المعنى : أن إحسان الله قريب من المحسنين ، ويؤكده ما فيه من التناسب بين الجزاء والعمل كما قلنا في تفسير الجملة ، ويؤيده حديث " الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم من حديث عبد الله بن عمر ، ووقع لنا مسلسلا عن شيخنا القاوقجي على أنه قد ورد في التنزيل ( لعل الساعة قريب ) ( 42 : 17 ) و ( لعل الساعة تكون قريبا ) ( 33 : 63 ) وقد يعلله فيهما برعاية الفاصلة من يقول بها وهم الجمهور . ( ومنها ) أن ( قريب ) في هذه الآيات بمعنى اسم المفعول فيستوي فيه المذكر والمؤنث . وقد يقال : إن المراد أنه تعالى قريب برحمته من المحسنين ، كما أنه قريب بعلمه وإجابته من الداعين . وكثيرا ما يعطى المضاف صفة المضاف إليه وضميره ، ومهما يقل فالاستعمال قد ورد في أفصح الكلام العربي وأعلاه ، فمن أعجبه شيء مما عللوه به لطرد قواعدهم قال به ، ومن لم يعجبه منها شيء فليقل إن هذا من السماعي ، وما هو ببدع في هذه اللغة ولا في غيرها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث