الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

وبناء الحمام من الآمر والصانع وبيعه وشراؤه وكراؤه مكروه ، نص عليه حتى قال : " من له حمام لا يبيعه على أنه حمام ، يبيعه على أنه عقار [ ص: 407 ] ويهدم الحمام " وكره غلته ، وإن اشترط على المكتري أن لا يدخله أحدا إلا بمئزر إذا كان الشرط لا ينضبط ، وقال : " فمن بنى حماما للنساء ليس بعدل " ؛ لأنه لا يسلم غالبا من المحرمات مثل نظر العورات وكشفها ودخول النساء ، وهذه الكراهة كراهة تنزيه عند كثير من أصحابنا ، وقال القاضي : " لا يجوز بناؤها وبيعها وإجارتها ، كما لم يجز عمل آلة اللهو وبيعها وإجارتها ، وعمل أواني الذهب والفضة ، وعمل بيت النار والبيع " وهذا ينبغي أن يحمل على بلاد لا يضطرون إلى الحمامات كالحجاز والعراق ومصر ، فأما البلاد الباردة كالشام والجزيرة وأرمينية وتشاءم عنها وغيرها فإنهم لا يقدرون على الاغتسال في الشتاء إلا في الحمامات ؛ ولهذا قال عمر : " عليكم بالشمس فإنها حمام العرب " ولهذا لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم " أنها ستفتح بلاد العجم ، وأن فيها بيوتا يقال لها : الحمامات ، لم يأمر بهدمها " .

وتكره قراءة القرآن فيه ، نص عليه ؛ لما روى ابن بطة بإسناده عن معاوية بن قرة قال : " كتب عمر إلى الأشعري أن عندك بيوتا يقال لها : الحمامات ، فلا يقرأ فيها آية من كتاب الله " .

وبإسناده عن علقمة عن عبد الله بن مسعود في القراءة قال : " ليس لذلك بني " وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : " بئس البيت الحمام ، نزع من أهله الحياء ولا يقرأ فيه القرآن " رواه سعيد ، واحتج به إسحاق . ولا بأس بذكر الله فيه ؛ لما روى ابن بطة بإسناده عن إبراهيم أن أبا هريرة دخل [ ص: 408 ] الحمام فقال : " لا إله إلا الله " وعن بكر بن عبد الله قال : " دخلت مع عبد الله بن عمر الحمام ، فضرب يده في الحوض فقال : نعم البيت هذا لمن أراد أن يتذكر ، وبئس البيت هذا لمن نزع الله منه الحياء " .

وعن سفيان بن عبد الله قال : " كانوا يستحبون إذا دخلوا الحمام أن يقولوا : يا بر يا رحيم ، من وقنا عذاب السموم " .

وأما السلام فيه فقال أحمد : " لا أعلم أني سمعت فيه شيئا " وكرهه أبو حفص والقاضي وابن عقيل ؛ لما روى ابن بطة بإسناده عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : " ليس في الحمام سلام ولا تسليم " .

ورخص فيه بعضهم ؛ لأنه كالذكر وأولى منه ، ولأنه أشبه الخلاء من حيث هو مظنة ظهور العورات وصب الأقذار والنجاسات ومحتضر الشياطين .

قال العباس بن عبد الرحمن بن مينا : قال إبليس : يا رب اجعل لي بيوتا ، قال : بيوتك الحمامات . رواه إبراهيم الحربي .

وفارقه من حيث وجود الاستتار فيه وتطهره من الأوساخ ، فمنع من القراءة فيه دون الذكر ؛ لأنها أعظم حرمة منه ، ولذلك منعها الجنب ، وأما ماؤها إذا كان مسخنا بالنجاسة فقد تقدم حكمه ، وإن كان مسخنا بالطاهر فلا بأس [ ص: 409 ] به ، قال الخلال : " ثبت عن أصحاب أبي عبد الله - يعني في روايتهم عنه - أنه يجزئ أن يغتسل به ولا يغتسل منه " قال الإمام أحمد - رضي الله عنه - : " ماء الحمام عندي طاهر " وقال أيضا : " هو بمنزلة الماء الجاري " .

وقال أيضا : " لا بأس بالوضوء من ماء الحمام " ، وقال أيضا : " يجزئه ماء الحمام وفي هذا اختلاف " .

وروى حنبل بإسناده عن إبراهيم " أن أصحاب عبد الله كانوا لا يغتسلون من ماء الحمام ، وكان أصحاب علي يغتسلون منه ، قال أبو عبد الله : أذهب إلى فعل أصحاب عبد الله " وقال في رواية أخرى : " إذا كان يوقد بالعذرة لا تدخله ، إلا إذا دخلت فخرجت ، يكون لك ما تصبه عليك " وهذا مبني على ما تقدم ، فإنه إذا سخن بالطاهرات وجرى في موضع طاهر فلا وجه للكراهة ، وإن سخن بالنجاسات مع وثاقة الحاجر بين النار والماء فكلامه هنا يقتضي روايتين ؛ لأنه كرهه في رواية وذكر الاختلاف في رواية أخرى ، واختار الرخصة ، ومن أصحابنا من يحمل الرخصة على ما إذا كان الوقود طاهرا ، والكراهة في الوقود النجس ، ومن كرهه فلكراهته سببان :

أحدهما : كونه سخن بالنجاسات .

والثاني : كونه ماء قليلا تقع فيه يد الجنب ، وذلك مختلف في نجاسته وفي طهوريته ، وربما كانت اليد نجسة ، وقد احتاط لذلك فقال : " يأخذ من الأنبوبة ولا يدخل يده إلا طاهرة " وقال أيضا : " من الناس من يشدد فيه ومنهم من [ ص: 410 ] يقول : " هو بمنزلة الماء الجاري " لأنه ينزف ويخرج الأول فالأول ، وإنما احتاط بذلك لأن من الناس من يجعله كالماء الدائم ، وذلك يصير مستعملا بوضع الجنب يده فيه في إحدى الروايتين . ومن أصحابنا من علل ذلك بخوف نجاسة اليد ، فأما ما يأخذه من الأنبوبة فإنه جار بلا تردد ، ومذهبه أن الجميع كالماء الجاري إذا كان فائضا ، وكذلك المياه التي تجتمع في البرك ونحوها ويغتض من بعض جوانبها ؛ وذلك لأن ذلك الماء نزف ، وكلما خرج شيء ذهب شيء ؛ ولهذا لو كان متغيرا بشيء من الطاهرات والنجاسات زال التغير بعد زمان يسير ، فأشبه الحفائر التي تكون في أثناء الأنهار الصغار والكبار .

التالي السابق


الخدمات العلمية