الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : اعلم أن مطلع هذه السورة له نظم لطيف عجيب ، وذلك لأن أولئك النصارى الذين نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل لهم : إما أن تنازعوه في معرفة الإله ، أو في النبوة ، فإن كان النزاع في معرفة الإله وهو أنكم تثبتون له ولدا وأن محمدا لا يثبت له ولدا فالحق معه بالدلائل العقلية القطعية ، فإنه قد ثبت بالبرهان أنه حي قيوم ، والحي القيوم يستحيل عقلا أن يكون له ولد وإن كان النزاع في النبوة ، فهذا أيضا باطل ، لأن بالطريق الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى فهو بعينه قائم في محمد صلى الله عليه وسلم ، وما ذاك إلا بالمعجزة وهو حاصل هاهنا ، فكيف يمكن منازعته في صحة النبوة ؟ فهذا هو وجه النظم وهو مضبوط حسن جدا فلننظر هاهنا إلى بحثين :

                                                                                                                                                                                                                                            البحث الأول : ما يتعلق بالإلهيات فنقول : إنه تعالى حي قيوم ، وكل من كان حيا قيوما يمتنع أن يكون له ولد ، وإنما قلنا : إنه حي قيوم ، لأنه واجب الوجود لذاته ، وكل ما سواه فإنه ممكن لذاته محدث حصل تكوينه وتخليقه وإيجاده على ما بينا كل ذلك في تفسير قوله تعالى : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) وإذا كان الكل محدثا مخلوقا امتنع كون شيء منها ولدا له وإلها ، كما قال : ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ) [ مريم : 93 ] وأيضا لما ثبت أن الإله يجب أن يكون حيا قيوما ، وثبت أن عيسى ما كان حيا قيوما لأنه ولد ، وكان يأكل ويشرب ويحدث ، والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه ، فثبت أنه ما كان حيا قيوما ، وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلها ، فهذه الكلمة وهي قوله ( الحي القيوم ) جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى في التثليث .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما البحث الثاني : وهو ما يتعلق بالنبوة ، فقد ذكره الله تعالى هاهنا في غاية الحسن ونهاية الجودة ، وذلك لأنه قال : ( نزل عليك الكتاب بالحق ) [ آل عمران : 3 ] وهذا يجري مجرى الدعوى ، ثم إنه تعالى أقام الدلالة على صحة هذه الدعوى ، فقال : وافقتمونا أيها اليهود والنصارى على أنه تعالى أنزل التوراة والإنجيل [ ص: 136 ] من قبل هدى للناس ، فإنما عرفتم أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان ، لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قول المحق وقول المبطل ; والمعجز لما حصل به الفرق بين الدعوى الصادقة والدعوى الكاذبة كان فرقا لا محالة ، ثم إن الفرقان الذي هو المعجز كما حصل في كون التوراة والإنجيل نازلين من عند الله ، فكذلك حصل في كون القرآن نازلا من عند الله وإذا كان الطريق مشتركا ، فإما أن يكون الواجب تكذيب الكل على ما هو قول البراهمة ، أو تصديق الكل على ما هو قول المسلمين ، وأما قبول البعض ورد البعض فذلك جهل وتقليد ، ثم إنه تعالى لما ذكر ما هو العمدة في معرفة الإله على ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ، وما هو العمدة في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم أردفه بالتهديد والوعيد فقال : (إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ) [ آل عمران : 4 ] فقد ظهر أنه لا يمكن أن يكون كلام أقرب إلى الضبط ، وإلى حسن الترتيب وجودة التأليف من هذا الكلام ، والحمد لله على ما هدى هذا المسكين إليه ، وله الشكر على نعمه التي لا حد لها ولا حصر .

                                                                                                                                                                                                                                            ولما لخصنا ما هو المقصود الكلي من الكلام فلنرجع إلى تفسير كل واحد من الألفاظ .

                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله ( الله لا إله إلا هو ) فهو رد على النصارى لأنهم كانوا يقولون بعبادة عيسى عليه السلام فبين الله تعالى أن أحدا لا يستحق العبادة سواه .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقال : ( الحي القيوم ) فأما الحي فهو الفعال الدراك وأما القيوم فهو القائم بذاته ، والقائم بتدبير الخلق والمصالح لما يحتاجون إليه في معاشهم ، من الليل والنهار ، والحر والبرد ، والرياح والأمطار ، والنعم التي لا يقدر عليها سواه ، ولا يحصيها غيره ، كما قال تعالى : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) [ إبراهيم : 34 ] وقرأ عمر رضي الله عنه ( الحي القيوم ) قال قتادة ، الحي الذي لا يموت ، والقيوم القائم على خلقه بأعمالهم ، وآجالهم ، وأرزاقهم ، وعن سعيد بن جبير : الحي قبل كل حي ، والقيوم الذي لا ند له ، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن قولنا : الحي القيوم محيط بجميع الصفات المعتبرة في الإلهية ، ولما ثبت أن المعبود يجب أن يكون حيا قيوما ودلت البديهة والحس على أن عيسى عليه السلام ما كان حيا قيوما ، وكيف وهم يقولون بأنه قتل وأظهر الجزع من الموت . علمنا قطعا أن عيسى ما كان إلها ولا ولدا للإله تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علوا كبيرا .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية