الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( 7 ) ومنها ما رواه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " قالوا : إن الرداء هنا بمعنى الحجاب الذي ذكر آنفا ، وقد جعلوه من باب الاستعارة ولا إشكال في التعبير ، وإنما الحديث صريح في عدم رؤية الذات بدون حجاب ، وقال الحافظ ابن حجر في شرحه من الفتح نقلا عن الكرماني بعد عده من المتشابهات : ظاهره يقتضي أن رؤية الله غير واقعة ، وأجاب - أي : [ ص: 125 ] الكرماني - بأن مفهومه بيان قرب النظر ؛ إذ رداء الكبرياء لا يكون مانعا من الرؤية ، فعبر عن زوال المانع عن الأبصار بإزالة الرداء - وحاصله أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية ، فكأن في الكلام حذفا تقديره بعد قوله : " إلا رداء الكبرياء " فإنه يمن عليهم برفعه . . . إلى آخر ما قاله - وفيه من التكلف ما لا ينبغي لحفاظ السنة الاعتداد به ، وهم ينكرون على الجهمية والمعتزلة مثله ، وما هو أمثل منه من تأويلاتهم .

                          ثم إن الحافظ ابن حجر اعتمد في تأويل الحديث جعل رداء الكبرياء هنا عين الحجاب في حديث صهيب الذي أخرجه مسلم بعد حديث أبي موسى هذا ، وكأنه أراد تفسيره به - ورواه الترمذي والنسائي وغيرهما أيضا وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، يقول الله - عز وجل - : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم - عز وجل - وفي رواية زيادة : تلا للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ( 10 : 26 ) وفيه أن أهل الجنة هؤلاء لم يكونوا يعلمون أنه - سبحانه - يرى بدون حجاب ، وأن رؤيته في الموقف وملاقاته كانت مع الحجاب ، كهذه الملاقاة في الجنة عند سؤالهم عما يطلبون من زيادة النعيم .

                          ولقائل أن يقول أيضا : إننا إذا قطعنا بأن المراد بهذا الحجاب رداء الكبرياء المذكور في الحديث الذي قبله ، وأنه كان المانع من النظر ، فلا يمكننا أن نقول إنه هو حجاب النور المانع من الرؤية في الأحاديث الأخرى ، والنظر غير الرؤية ، فيمكن أن يقال : إن رداء الكبرياء الذي كان مانعا من النظر يكشف فيقع النظر ، فيرى الناظرون النور الذي رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبر أنه كان المانع من رؤية الذات . وسيأتي تحرير هذا البحث .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية