الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          وأما السؤال الثالث فقد جاء في قوله تعالى :

                                                          ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم . والإجابة فيه وأساسها أيضا إماطة الأذى عن الجماعة الإسلامية ، فإنه إذا كان الإنفاق على الفقراء يحمي المجتمع من الفقر وأهواله وغوائله ، فحماية اليتامى وكلاءتهم تحمي المجتمع من أن يكون منهم شريرون يبغضون المجتمع ، ويجلبون له الويلات وهم في كنف المجتمع ورعايته . لقد سألوا عن اليتامى أيضمونهم إليهم ويأكلون معهم أم يدعونهم وأموالهم ، وكيف يرعونها ، وكيف يقومون عليها ; سألوا هذه الأسئلة وما يشبهها ، وقد قرأوا قوله تعالى : فأما اليتيم فلا تقهر وقوله تعالى : [ ص: 711 ] ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وقوله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا فكانوا من أمرهم في حيرة : إن قاربوهم وأموالهم يخشون على أنفسهم أن ينالوا إثما ، وإن تركوهم ضاعوا وهم في كفالة المجتمع كله ، فأمر الله نبيه أن يقول لهم أن المطلوب إصلاحهم ، فقال سبحانه : قل إصلاح لهم خير أي أن المطلوب إصلاحهم وإصلاح مالهم ، وذكر إصلاحهم ، لأنه المقصد الأول ، ولأن إصلاح مالهم إصلاح لهم ، وخير لكم ولهم ، وإصلاح حالهم بالتهذيب والتربية والعطف والمحبة ، والرأفة ، وعدم تكليفهم ما يشق عليهم ، لأن الغلظة معهم تربي فيهم الجفوة ، وتنشأ عنها القسوة ، فينشئون وهم يبغضون الناس ، ويتربصون بهم الدوائر .

                                                          وقد أثبت علم النفس الجنائي أن روح الإجرام تنبعث عند النشأة الأولى في الغلمان الذين يحسون بأن المجتمع يجفوهم ، ويغلظ عليهم فيخافونه ويبغضونه ، ويترقبون الفرصة السانحة ليستلبوا المال أو الأرواح ، أو ما يمكنهم أن يصلوا إليه ، فكان لا بد من تربية اليتيم بالإصلاح والتهذيب ، وألا يقهر نفسه حتى لا يجفو فيكون من وراء ذلك الشر المستطير والخطر الكبير .

                                                          وإذا كان المطلوب هو الإصلاح بكل وسائله ، وهو الغاية المطلوبة فإن كان الإصلاح بمخالطتهم وضمهم إليهم من غير أن تؤكل أموالهم ، فالمخالطة سائغة جائزة ، ولذا قال سبحانه : وإن تخالطوهم فإخوانكم أي عند المخالطة استشعروا أنهم إخوانكم في الدين والإنسانية وأبناء إخوانكم ، وعاملوهم بتلك الأخوة الرحيمة الرابطة ، ولا تنظروا إليهم شذرا ، وتؤكلوهم نزرا ، لأنهم غرباء عن بيتكم ، بل أشعروهم بأنهم دائما في بيت أهلهم وذويهم ، حتى لا تتربى نفوسهم على الجفوة فيبغضوا الناس ، ويتربصوا بهم الدوائر ، ويكون ذلك في طبعهم إذا كبروا وبلغوا أشدهم . .

                                                          [ ص: 712 ] ثم قال سبحانه والله يعلم المفسد من المصلح وهذا ترغيب في الإصلاح ، وترهيب من الفساد ; لأنه إذا كان يعلم المؤمن أن الله مطلع على ما يفعل ، تجنب الشر ، وآثر الخير ، فتجنب إهمال اليتيم لكيلا يفسد وعمد إلى تهذيبه لكي يكون عضوا عاملا في الجماعة يبني كما يبني غيره ، وتقوم الجماعة على سواعد قوية يشترك الجميع في إقامتها . ثم إنه إذا علم الله المصلح فسيجزيه خير الجزاء ، وما دام يعلم المفسد ، فحسابه وعقابه بمقدار فساده .

                                                          ثم قال سبحانه ولو شاء الله لأعنتكم العنت المشقة ، وأعنتكم : أوقعكم في المشقة ، وذلك بأن يترككم تهملون أيتامكم ، فيكونون إلبا عليكم في قابل حياتهم ، وشوكة في جنب الدولة ، ويكون منهم قطاع الطريق واللصوص والمنتهكون لحرمات المنازل ، ويفتكون بمجتمعكم ، وينزلون الأذى بكم ولكن الله سبحانه كان من رحمته أن دعاكم إلى العناية باليتامى ليكونوا عاملين بدل أن يكونوا هادمين ، وليكونوا قوة للجماعة بدل أن يكونوا قوة عليها هادمة في بنائها .

                                                          ثم ذيل الله سبحانه الآيات بقوله تعالى : إن الله عزيز حكيم للإشارة إلى ثلاثة أمور :

                                                          أولها : أن الله سبحانه عزيز يعز من يشاء ويذل من يشاء فمن أذل يتيما أذله الله ، ومن أعزه أعزه الله سبحانه .

                                                          وثانيها : أن الله سبحانه وتعالى هو الغالب على كل شيء ، فهو الذي سيجزي القوامين على اليتامى بما يفعلون ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

                                                          وثالثها : أن هذا التنظيم هو من حكمته ورحمته ، فمن رحمته بخلقه أن حثهم على معاونة اليتيم وإصلاحه ، والقيام على شئونه ، وليكون التراحم بين الناس ، وليضعف الشر فيهم ، ويكثر الخير والإنتاج ، والله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم .

                                                          * * *

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية