الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الفصل الثالث : في أحكام النظر .

جرت العادة بذكره هنا ، وله حالان . أحدهما : أن لا تمس الحاجة إليه . والثاني : أن تمس .

و [ الحال ] الأول : أربعة أضرب ، نظر الرجل إلى المرأة ، وعكسه ، والرجل إلى الرجل ، والمرأة إلى المرأة .

[ الضرب ] الأول : نظر الرجل إلى المرأة ، فيحرم نظره إلى عورتها مطلقا ، وإلى وجهها وكفيها إن خاف فتنة . وإن لم يخف ، فوجهان ، قال أكثر الأصحاب لا سيما المتقدمون : لا يحرم ، لقول الله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها )

[ الأحزاب : 31 ] وهو مفسر بالوجه والكفين ، لكن يكره ، قاله الشيخ أبو حامد وغيره . والثاني : يحرم ، قاله الاصطخري وأبو علي الطبري ، واختاره الشيخ أبو محمد ، والإمام ، وبه قطع صاحب ( المهذب ) والروياني ، ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات ، وبأن النظر مظنة الفتنة ، وهو محرك للشهوة ، فاللائق بمحاسن الشرع ، سد الباب فيه ، والإعراض عن تفاصيل الأحوال ، كالخلوة بالأجنبية . ثم المراد بالكف ، اليد من رءوس الأصابع إلى المعصم . وفي وجه : يختص الحكم بالراحة . وأما أخمصا القدمين ، فعلى الخلاف السابق في ستر العورة . وصوتها ليس بعورة على الأصح ، لكن يحرم الإصغاء إليه عند خوف الفتنة . وإذا قرع بابها ، فينبغي أن لا تجيب بصوت رخيم ، بل تغلظ صوتها .

قلت : هذا الذي ذكره من تغليظ صوتها ، كذا قاله أصحابنا . قال إبراهيم المروذي : طريقها أن تأخذ ظهر كفها بفيها وتجيب كذلك . - والله أعلم - .

[ ص: 22 ] هذا كله إذا كان الناظر بالغا فحلا ، والمنظور إليها حرة كبيرة أجنبية . ثم الكلام في ست صور .

إحداها : الطفل الذي لم يظهر على عورات النساء ، لا حجاب منه . وفي المراهق وجهان . أحدهما : له النظر ، كما له الدخول بلا استئذان إلا في الأوقات الثلاثة ، فعلى هذا ، نظره كنظر المحارم البالغين . وأصحهما : أن نظره كنظر البالغ إلى الأجنبية ، لظهوره على العورات . ونزل الإمام أمر الصبي ثلاث درجات . إحداها : أن لا يبلغ أن يحكي ما يرى . والثانية : يبلغه ويكون فيه ثوران شهوة وتشوف . والثالثة : أن يكون فيه ذلك . فالأول حضوره كغيبته ، ويجوز التكشف له من كل وجه . والثاني : كالمحرم . والثالث : كالبالغ . واعلم أن الصبي لا تكليف عليه ، وإذا جعلناه كالبالغ ، فمعناه يلزم المنظور إليها الاحتجاب منه ، كما يلزمها الاحتجاب من المجنون قطعا .

قلت : وإذا جعلنا الصبي كالبالغ ، لزم الولي أن يمنعه النظر ، كما يلزم أن يمنعه الزنا وسائر المحرمات . - والله أعلم - .

الثانية : في الممسوح وجهان . قال الأكثرون : نظره إلى الأجنبية ، كنظر الفحل إلى المحارم ، وعليه يحمل قول الله تعالى : ( أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال )

[ الأحزاب : 31 ] . والثاني : أنه كالفحل مع الأجنبية ، لأنه يحل له نكاحها .

[ ص: 23 ] قلت : والمختار في تفسير غير أولي الإربة أنه المغفل في عقله الذي لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن ، كذا قاله ابن عباس وغيره . - والله أعلم - .

وأما المجبوب الذي بقي أنثياه ، والخصي الذي بقي ذكره ، والعنين ، والمخنث وهو المشبه بالنساء ، والشيخ الهم ، فكالفحل ، كذا أطلق الأكثرون . وقال في الشامل : لا يحل للخصي النظر ، إلا أن يكبر ويهرم وتذهب شهوته ، وكذا المخنث . وأطلق أبو مخلد البصري المتأخر في الخصي والمخنث وجهين .

قلت : هذا المذكور عن الشامل قاله شيخه القاضي أبو الطيب ، وصرح بأن الشيخ الذي ذهبت شهوته ، يجوز له ذلك ، لقوله تعالى : ( أو التابعين غير أولي الإربة ) . - والله أعلم - .

الثالثة : مملوك المرأة محرم لها على الأصح ( عند الأكثرين ) .

قلت : وهو المنصوص ، وظاهر الكتاب والسنة وإن كان فيه نظر من حيث المعنى ، قال القاضي حسين : فإن كاتبته ، فليس بمحرم . - والله أعلم - .

الرابعة : إذا كان المنظور إليها أمة ، فثلاثة أوجه : أصحها فيما ذكره البغوي والروياني : يحرم النظر إلى ما بين السرة والركبة ، ولا يحرم ما سواه ، لكن يكره . والثاني : يحرم ما لا يبدو حال المهنة دون غيره . والثالث : أنها كالحرة ، وهذا غريب لا يكاد يوجد لغير الغزالي .

قلت : قد صرح صاحب ( البيان ) وغيره ، بأن الأمة كالحرة وهو مقتضى إطلاق كثيرين ، وهو أرجح دليلا . - والله أعلم - .

[ ص: 24 ] الخامسة : في النظر إلى الصبية ، وجهان . أحدهما : المنع . والأصح الجواز ، ولا فرق بين عورتها وغيرها ، لكن لا ينظر إلى الفرج .

قلت : جزم الرافعي ، بأنه لا ينظر إلى فرج الصغيرة . ونقل صاحب العدة الاتفاق على هذا ، وليس كذلك ، بل قطع القاضي حسين في تعليقه بجواز النظر إلى فرج الصغيرة التي لا تشتهى ، والصغير ، وقطع به في الصغير إبراهيم المروذي . وذكر المتولي فيه وجهين ، وقال : الصحيح الجواز ، لتسامح الناس بذلك قديما وحديثا ، وأن إباحة ذلك تبقى إلى بلوغه سن التمييز ، ومصيره بحيث يمكنه ستر عورته عن الناس . - والله أعلم - .

وأما العجوز ، فألحقها الغزالي بالشابة ، لأن الشهوة لا تنضبط ، وهي محل الوطء . وقال الروياني : إذا بلغت مبلغا يؤمن الافتتان بالنظر إليها ، جاز النظر إلى وجهها وكفيها ، لقول الله تعالى : ( والقواعد من النساء ) الآية [ النور : 6 ] .

السادسة : المحرم لا ينظر إلى ما بين السرة والركبة ، وله النظر إلى ما سواه على المذهب . وفي وجه : أنه يباح ما يبدو عند المهنة . وهل الثدي زمن الإرضاع مما يبدو ؟ وجهان . وسواء المحرم بالنسب والمصاهرة والرضاع ، وقيل : لا ينظر بالمصاهرة والرضاع إلا إلى البادي في المهنة . والصحيح الأول .

قلت : ويجوز للمحرم الخلوة والمسافرة بها . - والله أعلم - .

الضرب الثاني : نظر الرجل إلى الرجل ، وهو جائز في جميع البدن ، إلا ما بين السرة والركبة ، لكن يحرم النظر إلى الأمرد وغيره بالشهوة ، وكذا النظر إلى المحارم وسائر المذكورات في الضرب السابق بالشهوة حرام قطعا . ولا يحرم [ ص: 25 ] النظر إلى الأمرد بغير شهوة إن لم يخف فتنة ، وإن خافها ، حرم على الصحيح وقول الأكثرين .

قلت : أطلق صاحب ( المهذب ) وغيره : أنه يحرم النظر إلى الأمرد لغير حاجة ، ونقله الداركي عن نص الشافعي - رحمه الله - . - والله أعلم - .

الضرب الثالث : نظر المرأة إلى المرأة كالرجل إلى الرجل إلا في شيئين . أحدهما : حكى الإمام وجها : أنها كالمحرم ، وهو شاذ ضعيف . الثاني : في نظر الذمية إلى المسلمة وجهان . أصحهما عند الغزالي : كالمسلمة . وأصحهما عند البغوي : المنع . فعلى هذا ، لا تدخل الذمية الحمام مع المسلمات ، وما الذي تراه من المسلمة ؟ قال الإمام : هي كالرجل الأجنبي . وقيل : ترى ما يبدو في المهنة ، وهذا أشبه .

قلت : ما صححه البغوي هو الأصح أو الصحيح ، وسائر الكافرات كالذمية في هذا ، ذكره صاحب البيان . - والله أعلم - .

الضرب الرابع : نظر المرأة إلى الرجل ، وفيه أوجه . أصحها : لها النظر إلى جميع بدنه إلا ما بين السرة والركبة . والثاني : لها نظر ما يبدو منه في المهنة فقط . والثالث : لا ترى منه إلا ما يرى منها .

قلت : هذا الثالث ، هو الأصح عند جماعة ، وبه قطع صاحب ( المهذب ) وغيره ، لقول الله تعالى : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : " أفعمياوان أنتما ، أليس تبصرانه " الحديث ، وهو حديث حسن . - والله أعلم - .

[ ص: 26 ] وأما نظرها إلى محرمها ، فلا يحرم إلا ما بين السرة والركبة على المذهب ، وبه قطع المحققون . وقيل : هو كنظره إليها ، ويحرم عليها النظر إلى الرجل عند خوف الفتنة قطعا . وحديث أفعمياوان ، يحمل على هذا أو على الاحتياط .

فرع

ما لا يجوز النظر إليه متصلا كالذكر وساعد الحرة وشعر رأسها وشعر عانة الرجل وما أشبهها ، يحرم النظر إليه بعد الانفصال على الأصح . وقيل : لا ، وقال الإمام احتمالا لنفسه : إن لم يتميز المبان من المرأة بصورته وشكله عما للرجل : كالقلامة ، والشعر ، والجلدة ، لم يحرم . وإن تميز ، حرم .

قلت : ما ذكره الإمام ، ضعيف ، إذ لا أثر للتمييز ، مع العلم بأنه جزء يحرم نظره . وعلى الأصح : يحرم النظر إلى قلامة رجلها دون قلامة يدها ، ويده ورجله . - والله أعلم - .

[ ص: 27 ] وينبغي لمن حلق عانته ، أن يواري الشعر ، لئلا ينظر إليه أحد . وفي فتاوى البغوي : أنه لو أبين شعر الأمة أو ظفرها ، ثم عتقت ، ينبغي أن يجوز النظر إليه وإن قلنا : إن المبان كالمتصل ، لأنه حين انفصل لم يكن عورة ، والعتق لا يتعدى إلى المنفصل .

فرع

يجوز للزوج النظر إلى جميع بدن زوجته غير الفرج . وفي الفرج وجهان . أحدهما : يحرم . وأصحهما : لا ، لكن يكره . وباطن الفرج أشد كراهة ، ويكره للإنسان نظره إلى فرج نفسه بلا حاجة ، ونظر السيد إلى أمته التي يجوز استمتاعه بها كنظر الزوج إلى زوجته ، سواء كانت قنة ، أو مدبرة ، أو مستولدة ، أو عرض مانع قريب الزوال كالحيض والرهن ، فإن كانت مرتدة ، أو مجوسية ، أو وثنية ، أو مزوجة ، أو مكاتبة ، أو مشتركة بينه وبين غيره ، حرم نظره إلى ما بين السرة والركبة ، ولا يحرم ما زاد على الصحيح . وزوجته المعتدة عن وطء أجنبي بشبهة ، كالمكاتبة . ونظر الزوجة إلى زوجها كنظره إليها . وقيل : يجوز نظرها إلى فرجه قطعا .

قلت : ونظرها إلى سيدها كنظره إليها . - والله أعلم - .

فرع

حيث حرم النظر ، حرم المس بطريق الأولى ، لأنه أبلغ لذة ، فيحرم على الرجل دلك فخذ رجل بلا حائل . فإن كان ذلك فوق إزار جاز إذا لم يخف فتنة . [ ص: 28 ] وقد يحرم المس دون النظر ، فيحرم مس وجه الأجنبية وإن جاز النظر ، ومس كل ما جاز النظر إليه من المحارم والإماء ، بل لا يجوز للرجل مس بطن أمه ولا ظهرها ، ولا أن يغمز ساقها ولا رجلها ، ولا أن يقبل وجهها ، حكاه العبادي عن القفال . قال : وكذا لا يجوز للرجل أن يأمر ابنته أو أخته بغمز رجله . وعن القاضي حسين أنه كان يقول : العجائز اللاتي يكحلن الرجال يوم عاشوراء مرتكبات للحرام .

فرع

لا يجوز أن يضاجع الرجل الرجل ، ولا المرأة المرأة وإن كان كل واحد في جانب من الفراش ، وإذا بلغ الصبي أو الصبية عشر سنين ، وجب التفريق بينه وبين أمه وأبيه وأخته وأخيه في المضجع .

فرع

يستحب مصافحة الرجل الرجل ، والمرأة المرأة . قال البغوي : وتكره المعانقة والتقبيل ، إلا تقبيل الولد شفقة . وقال أبو عبد الله الزبيري : لا بأس أن يقبل الرجل رأس الرجل وما بين عينيه ، عند قدومه من سفره أو تباعد لقائه .

قلت : المختار أن تقبيل يد غيره إن كان لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه وصيانته ، ونحو ذلك من الأمور الدينية ، فهو مستحب . وإن كان لغناه ودنياه وشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا ونحو ذلك ، فمكروه . وقال المتولي في باب صلاة الجمعة : لا يجوز . وتقبيل الصغار شفقة سنة ، سواء ولده وولد غيره إذا لم يكن بشهوة . والسنة معانقة القادم من سفر وتقبيله . ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح ، ويكره حني الظهر في كل حال لكل أحد ، ولا بأس بالقيام لأهل الفضل ، [ ص: 29 ] بل هو مستحب للاحترام ، لا للرياء والإعظام ، وقد ثبتت أحاديث صحيحة بكل ما ذكرته ، وقد أوضحتها مبسوطة في ( كتاب السلام ) من ( كتاب الأذكار ) ، وهو مما لا يستغني متدين عن مثله ، وفي ( كتاب الترخيص في القيام ) . - والله أعلم - .

فرع

الخنثى المشكل فيه وجهان . أصحهما : الأخذ بالأشد ، فيجعل مع النساء رجلا ، ومع الرجال امرأة . والثاني : الجواز ، قاله القفال ، استصحابا لحكم الصغر .

قلت : قطع الفوراني والمتولي بالثاني ، وإبراهيم المروذي ، ونقله المروذي عن القاضي . - والله أعلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث