الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        [ ص: 217 ] ( 20 ) باب ما لا يجب فيه التمتع

                                                                                                                        736 - قال مالك : من اعتمر في شوال ، أو ذي القعدة ، أو ذي الحجة ، ثم رجع إلى أهله ثم حج من عامه ذلك فليس عليه هدي ، إنما الهدي على من اعتمر في أشهر الحج . ثم أقام حتى الحج . ثم حج . وكل من انقطع إلى مكة من أهل الآفاق وسكنها . ثم اعتمر في أشهر الحج . ثم [ ص: 218 ] [ ص: 219 ] أنشأ الحج منها ، فليس بمتمتع . وليس عليه هدي ولا صيام . وهو بمنزلة أهل مكة ، إذا كان من ساكنيها .

                                                                                                                        16055 - سئل مالك عن رجل من أهل مكة ، خرج إلى الرباط أو إلى سفر من الأسفار ، ثم رجع إلى مكة . وهو يريد الإقامة بها . كان له أهل بمكة أولا أهل له بها فدخلها بعمرة في أشهر الحج ، ثم أنشأ الحج ، وكانت عمرته التي دخل بها من ميقات النبي - صلى الله عليه وسلم - أو دونه ، أمتمتع من كان على تلك الحالة ؟ فقال مالك : ليس عليه ما على المتمتع من الهدي أو الصيام . وذلك أن الله - تبارك وتعالى - يقول في كتابه : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) [ البقرة : 196 ] .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        16056 - قال أبو عمر : أما قول مالك : فليس عليه هدي يريد أنه ليس بمتمتع فلذلك لم يلزمه الهدي ، ولو كان متمتعا للزمه الهدي في التمتع عند جمهور [ ص: 220 ] العلماء .

                                                                                                                        16057 - هذا الذي لا يرجع إلى بلده ويحج من عامه .

                                                                                                                        16058 - وروي عن الحسن في ذلك خلاف ما عليه الجمهور ، وذلك أنه قال : عليه الهدي حج أو لم يحج ، رجع إلى بلده أو لم يرجع ; لأنه كان يقول : عمرة في أشهر الحج متعة .

                                                                                                                        16059 - وروى شعبة ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتمرون في أشهر الحج ثم يرجعون فلا يهدون فقلت لسعيد بن المسيب : فإن حج من عامه ؟ فقال : فعليه الهدي .

                                                                                                                        16060 - قال قتادة : وقال الحسن : عليه الهدي حج أو لم يحج .

                                                                                                                        16061 - وروى هشيم بن بشير ، عن الحسن مثله ، قال : عليه الهدي حج أو لم يحج .

                                                                                                                        16562 - وروى أشعث ، عن الحسن ، قال : من اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى أهله ، ثم حج من عامه ذلك فعليه هدي ، لأنه كان قال : عمرة في أشهر الحج متعة .

                                                                                                                        16063 - وروى هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، قال : من اعتمر في أشهر الحج ثم أقام حتى يحج فهو متمتع وعليه الهدي ، فإن رجع إلى مصره ، ثم حج من عامه فلا شيء عليه .

                                                                                                                        16064 - قال أبو عمر : على قول سعيد هذا فقهاء الأمصار وجمهور العلماء .

                                                                                                                        16065 - وقد روي عن طاوس في التمتع قولان هما أشد شذوذا مما ذكرنا عن الحسن .

                                                                                                                        [ ص: 221 ] 16066 - ( أحدهما ) : أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى الحج ، ثم حج من عامه فهو متمتع ، وهذا لم يقله أحد من العلماء غيره فيما علمت .

                                                                                                                        16067 - وذلك - والله أعلم - أن شهور الحج أحق بالحج من العمرة ; لأن العمرة جائزة في السنة كلها ، والحج إنما موضعه أشهر معلومات فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج ولم يحج العام فقد جعل العمرة في عام كان الحج أولى بها . ثم رخص الله ( عز وجل ) في كتابه على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - في العمرة في أشهر الحج للمتمتع وللقارن ولمن شاء أن يفردها في أشهر الحج .

                                                                                                                        16068 - ( والقول الآخر ) : قاله في المكي إذا تمتع من مصر من الأمصار فعليه الهدي . وهذا لم يعرج عليه أحد ; لظاهر قول الله - عز وجل - : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) [ البقرة : 196 ] .

                                                                                                                        16069 - وأوجب القول فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم عملها في أشهر الحج ، ثم حج من عامه ذلك ، ف :

                                                                                                                        16070 - قال مالك : عمرته في الشهر الذي حل فيه . يريد إن كان حل منها في غير أشهر الحج فليس بمتمتع . وإن كان حل منها في أشهر الحج فهو متمتع إن حج من عامه .

                                                                                                                        16071 - وقال الثوري : إذا قدم الرجل معتمرا في شهر رمضان وقد بقي عليه منه يوم أو يومان فلم يطف لعمرته حتى رأى هلال شوال ، فكان إبراهيم يقول : هو متمتع ، وأحب إلي أن يهريق دما .

                                                                                                                        16072 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إن طاف للعمرة ثلاثة أشواط في رمضان وأربعة أشواط في شوال كان متمتعا ، وإن طاف لها أربعة في رمضان وثلاثة في شوال لم يكن متمتعا .

                                                                                                                        [ ص: 222 ] 16073 - قال الشافعي : إذا طاف بالبيت في أشهر الحج بالعمرة فهو متمتع إن حج من عامه ذلك ، وذلك أن العمرة إنما تكمل بالطواف بالبيت ، وإنما ينظر إلى كمالها .

                                                                                                                        16074 - وقال أبو ثور : إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج ، فبدأ الطواف لها في رمضان أو في شوال لا يكون متمتعا .

                                                                                                                        16075 - واختلفوا في وقت وجوب الهدي على المتمتع ، ف : ذكر ابن وهب ، عن مالك أنه سئل عن المتمتع بالعمرة إلى الحج يموت بعدما يخرج بالحج بعرفة أو غيرها أترى عليه هديا ؟ .

                                                                                                                        16076 - قال : من مات من أولئك قبل أن يرمي جمرة العقبة فلا أرى عليه هديا ، ومن رمى ثم مات فعليه الهدي .

                                                                                                                        16077 - قيل له : فالهدي من رأس المال أو من الثلث ؟ قال : بل من رأس المال .

                                                                                                                        16078 - وقال الشافعي : إذا أحرم بالحج فقد وجب عليه دم المتعة إذا كان واجدا لذلك .

                                                                                                                        16079 - ذكره الزعفراني عنه .

                                                                                                                        [ ص: 223 ] [ ص: 224 ] 16080 - وهو قول الكوفيين .

                                                                                                                        16081 - وقال ربيعة : إذا أهل المتمتع بالحج ثم مات من ساعته أو قبل أن يصوم ، ففيه قولان : أحدهما أن عليه دم المتعة ; لأنه دين عليه ولا يجوز أن يصام عنه ، والآخر أنه لا دم عليه ; لأن الوقت الذي قد وجب عليه الصوم قد مات فيه .

                                                                                                                        16082 - واتفق مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم أن المتمتع إذا لم يجد هديا صام ثلاثة أيام إذا أحرم بالحج إلى آخر يوم عرفة .

                                                                                                                        16083 - وهو قول أبي ثور .

                                                                                                                        16084 - وقال عطاء : لا بأس أن يصوم المتمتع في العشر ، وهو حلال قبل أن يحرم .

                                                                                                                        16085 - وقال مجاهد ، وطاوس : إذا صامهن في أشهر الحج أجزاه .

                                                                                                                        16086 - وقال مالك : إن صام بعد إحرامه بالعمرة ، وهو يريد أن يتمتع بالعمرة إلى الحج لم يجزه ، ولكن يصوم ما بين إحرامه بالحج إلى يوم عرفة .

                                                                                                                        16087 - وهو قول الشافعي .

                                                                                                                        16088 - وروي عن عائشة ، وابن عمر مثل ذلك .

                                                                                                                        16089 - وقال الثوري ، وأبو حنيفة : إن من صام بعد إحرامه بالعمرة أجزاه .

                                                                                                                        16590 - وقال زفر : إذا بدأ بالحج فأحرم به وهو يريد أن يضيف إليه عمرة فصام قبل إحرامه للعمرة أجزاه .

                                                                                                                        16091 - وقال أبو يوسف : إن بدأ بإحرام العمرة فصام قبل إحرام الحج أجزاه ، وإن بدأ بإحرام الحج فصام قبل إحرام العمرة يجزيه .

                                                                                                                        16092 - وقال الحسن بن زياد : إن أحرم بالعمرة لم يجزه الصوم حتى يحرم [ ص: 225 ] بالحج .

                                                                                                                        16093 - وهو قول عمرو بن دينار .

                                                                                                                        16094 - وقال عطاء : لا يصوم حتى يقف بعرفة .

                                                                                                                        16095 - وأجمعوا على أن الصوم لا سبيل للمتمتع إليه إذا كان يجد الهدي فلا يصم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر ، ف :

                                                                                                                        16096 - قال مالك : يصومها في أيام التشريق ، فإن فاته ذلك صام عشرة أيام إذا رجع إلى بلاده وأجزاه . وإن وجد هديا بعد رجوعه وقبل صومه أهدى قبل أن يصوم .

                                                                                                                        16097 - وقال أبو حنيفة : إذا لم يصم الثلاثة الأيام في الحج لم يجزه الصوم بعد وكان عليه هديان : هدي لمتعته أو قرانه ، وهدي لتحلله من غير هدي ولا صيام .

                                                                                                                        16098 - وقال سفيان الثوري : إذا لم يصم الثلاثة الأيام في الحج ولا سبيل إلى الصيام بعد .

                                                                                                                        16099 - وقال الأوزاعي : لا يقضى يوم النحر حتى يهدي أو يصوم ، فإن لم يهد حتى رجع إلى بلاده فعليه هدي ويصوم عشرة أيام في بلده ، ويهدي إن وجد .

                                                                                                                        16100 - وعن الشافعي قولان : أحدهما قول مالك ، والآخر كقول أبي حنيفة .

                                                                                                                        16101 - واختلف قوله في صيام أيام منى للمتمتع إذا لم يجد الهدي ، فقال بالعراق : يصومها . كقول مالك . وقال في مصر : لا يصومها أحد لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيامها .

                                                                                                                        16102 - واختلفوا فيه إذا كان غير واجد للهدي فصام ، ثم وجد الهدي قبل [ ص: 226 ] كمال صومه ، ف .

                                                                                                                        16103 - ذكر ابن وهب عن مالك ، قال : إذا دخل في الصوم فإن وجد هديا فأحب إلي أن يهدي ، فإن لم يفعل أجزاه الصيام .

                                                                                                                        16104 - وذكر ابن عبد الحكم وغيره عن مالك في هذا الباب أن المتظاهر والحالف إن دخل أحدهم في الصيام ، ثم وجد المتمتع الهدي أو وجد المتظاهر الرقبة ، والحالف ما يطعم أو يكسو أن كل واحد منهما بالخيار بعد دخوله في الصوم أنه إن شاء فادى في الصوم وإن شاء رجع إلى ما كان عليه .

                                                                                                                        16105 - وقال أبو حنيفة ، والثوري : لا يجزئ الصوم واحدا منهم إذا وجد قبل أن يتم صومه .

                                                                                                                        16156 - وهو قول عطاء ، وعثمان البتي ، والحسن بن صالح .

                                                                                                                        16107 - وقال الشافعي : يمضي في صومه وهو فرضه كما يمضي في الصلاة بالتيمم إذا طرأ عليه الماء وهو فيها .

                                                                                                                        16108 - وهو قول أبي ثور .

                                                                                                                        16109 - وقال أبو حنيفة : إذا أيسر المتمتع في يوم الثلاث من صومه يصل الصوم ، ووجب الهدي ، فإن صام ثلاثة أيام في الحج كاملة ثم أيسر كان له أن يصوم السبعة الأيام ولا يرجع إلى الهدي .

                                                                                                                        16110 - وقال إبراهيم النخعي : إذا وجد ما يذبح قبل أن يحل من حجه فليذبح . وإن كان قد صام لم يجد ما يذبح حتى يحل فقد أجزاه الصوم .

                                                                                                                        16111 - وقال عطاء : إن صام . ثم وجد ما يذبح ; فليذبح حل أو لم يحل ما كان في أيام التشريق .

                                                                                                                        [ ص: 227 ] 16112 - واختلفوا فيما على من فاته صوم الثلاثة الأيام قبل يوم النحر ، ف :

                                                                                                                        16113 - ذكر ابن وهب عن مالك ، قال : من نسي صوم الثلاثة الأيام في الحج أو مرض فيها ، فإن كان بمكة فليصم الثلاثة الأيام فيها ، وليصم إذا رجع إلى أهله سبعة . وإن كان رجع إلى أهله فليهد إن قدر . فإن لم يقدر فليصم ثلاثة وسبعة بعدها .

                                                                                                                        16114 - وهو قول أبي ثور ، وتحصيل مذهبه أنه إذا قدم بلده ولم يصم ثم وجد الهدي لم يجزه الصوم ولا يصوم إلا إذا لم يجد هديا .

                                                                                                                        16115 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا انقضى يوم عرفة ، ولم يصم الثلاثة الأيام فعليه دم .

                                                                                                                        16116 - واتفق مالك وغيره ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، والثوري ، وأبو ثور على أن المتمتع يطوف لعمرته بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ، وعليه بعد ذلك طواف آخر لحجه ، وسعي آخر بين الصفا والمروة .

                                                                                                                        16117 - وروي عن عطاء ، وطاوس ، ومجاهد أنه يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة .

                                                                                                                        16118 - واختلفوا في حكم المتمتع الذي يسوق الهدي . ف :

                                                                                                                        16119 - قال مالك : إن كان متمتعا حل إذا طاف وسعى ولا ينحر هديه إلا بمنى إلا أن يكون مفردا للعمرة ، فإن كان مفردا للعمرة نحره بمكة ، وإن كان قارنا نحره بمنى .

                                                                                                                        16120 - ذكره ابن وهب ، وغيره عن مالك .

                                                                                                                        16121 - وقال مالك : من أهدى هديا للعمرة وهو متمتع لم يجزه ذلك ، وعليه هدي آخر لمتعته ; ولأنه إنما يصير متمتعا إذا أنشأ الحج بعد أن حل من عمرته ، وحينئذ يجب عليه الهدي .

                                                                                                                        [ ص: 228 ] 16122 - وقال أبو حنيفة ، وأبو بكر ، ومحمد ، والثوري ، وإسحاق ، وأبو ثور : لا ينحر المتمتع هديا إلا يوم النحر .

                                                                                                                        16123 - وقال أحمد : إن قدم المتمتع قبل العشر طاف وسعى ونحر هديه ، وإن قدم في العشر لم ينحر إلا يوم النحر .

                                                                                                                        16124 - وقاله عطاء .

                                                                                                                        16125 - وقال الشافعي : يحل من عمرته إذا طاف وسعى ، ساق هديا أو لم يسق .

                                                                                                                        16126 - وقال أبو ثور : يحل ولكن لا ينحر هديه حتى يحرم بالحج وينحره يوم النحر .

                                                                                                                        16127 - وقول أحمد بن حنبل في مسائل المتمتع المذكورة كلها في هذا الباب كقول الشافعي سواء .

                                                                                                                        16128 - قال أبو حنيفة ، وأصحابه : إذا لم يسق المتمتع هديا فإذا فرغ من عمرته كان حلالا ، ولا يزال كذلك حتى يحرم بالحج فيصير حراما ، ولو كان ساق الهدي لمتعته لم يحل من عمرته حتى يحل من حجه ; لأنه ساق الهدي معه .

                                                                                                                        16129 - وحجتهم في ذلك حديث ابن عمر أن حفصة قالت : " ما بال الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك ؟ . . . "

                                                                                                                        16130 - وقال مالك ، والشافعي : إذا ساق المتمتع الهدي لمتعته وطاف للعمرة وسعى حل إلى يوم التروية .

                                                                                                                        16131 - قال الشافعي : وما يكون متمتعا إذا استمتع بإحلاله إلا أن يحرم بالحج يوم التروية ، فأما من لم يحل من المعتمرفإنما هو قارن لا متمتع ، وبالله التوفيق .




                                                                                                                        الخدمات العلمية