الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( أقوال الفقهاء في المسألة )

ترجمة القرآن وقراءته وكتابته بغير اللغة العربية

المعول عليه عند الأئمة وسائر العلماء أنه لا تجوز كتابة القرآن ولا قراءته ولا ترجمته بغير العربية مطلقا ، إلا فيما نقل عن أبي حنيفة وصاحبه من جواز قراءة القرآن بالفارسية في خصوص الصلاة ، وإليك بعض النصوص في ذلك : قال شيخ الإسلام أبو الحسن المرغيناني الحنفي في التجنيس : ويمنع من كتابة القرآن بالفارسية بالإجماع ; لأنه يؤدي إلى الإخلال بحفظ القرآن ; لأنا أمرنا بحفظ اللفظ والمعنى فإنه دلالة على النبوة ; ولأنه يؤدي إلى التهاون بأمر القرآن اهـ .

وقال في معراج الدراية : من تعمد قراءة القرآن أو كتابته بالفارسية فهو مجنون أو زنديق والمجنون يداوى ، والزنديق يقتل ، وروي ذلك عن أبي بكر محمد بن الفضل البخاري اهـ .

وفي الدراية : إن القرآن اسم للنظم والمعنى جميعا بالإجماع ، وقد أنزل حجة على النبوة وعلما على الهدى ، والهدى بمعناه ، والحجة بنظمه . وكما أن الإخلال بالمعنى يسقط حكم القراءة كذلك الإخلال بالنظم ، ولأن حفظ القرآن واجب في الجملة ; ليكون حجة على الحكم ولا قراءة تجب إلا في الصلاة ، فعلم أنها متعلقة بعين ما أنزل ليقع الحفظ بها اهـ .

وروي عن الإمام أبي حنيفة كما في الهداية وغيرها : جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة مطلقا ، وعن الصاحبين : إذا كان لا يحسن العربية ، أما إذا كان يحسنها فلا يجوز ، وتفسد صلاته إذا قرأ بغير العربية .

وروى أبو بكر الرازي : رجوع الإمام إلى قولهما وعليه الاعتماد - وقال الإمام الزاهدي [ ص: 282 ] في الجامع الصغير : إن ما نقل عن أبي حنيفة وصاحبيه من أن القراءة بالفارسية تفسد الصلاة لمن قدر على العربية ، أما عند العجز فلا فساد إذا قرأ بالفارسية كل لفظ بما هو في معناه من غير أن يزيد فيه شيئا . أما إذا قرأ على سبيل التفسير فتفسد صلاته بالإجماع اهـ .

وهو تقييد حسن ; لأنه حينئذ يكون متكلما بكلام غير القرآن من كلام الناس وهو مفسد للصلاة .

وأصل الاختلاف في ذلك كما في بدائع الصنائع وأحكام القرآن لحجة الإسلام الجصاص قوله تعالى فاقرءوا ما تيسر من القرآن ( 73 : 20 ) حيث أمر بالقراءة ، والأمر للوجوب ، ولا موضع لوجوب القراءة غير الصلاة ، فوجب أن يكون المراد القراءة في الصلاة ، فذهب الصاحبان إلى أنه إذا قرأ بالفارسية وهو يحسن العربية ، فقد قرأ ما ليس بقرآن فقد خرج عن عهدة الأمر ; لأن الفارسي ليس قرآنا ، والقرآن هو المنزل بلغة العرب ، قال تعالى : إنا أنزلناه قرآنا عربيا ( 12 : 2 ) وأيضا فالقرآن هو المعجز ، والإعجاز من جهة اللفظ يزول بزوال النظم العربي فلا يكون الفارسي قرآنا لانعدام الإعجاز ; ولهذا لم تحرم قراءته على الجنب والحائض ، غير أنه إذا كان لا يحسن العربية ، فقد عجز عن مراعاة لفظه فيجب عليه مراعاة معناه ; ليكون التكليف بحسب الإمكان اهـ - والمراد مطلق المعنى ، وإلا فمعنى النظم المعجز لا تؤديه الترجمة كما هو ظاهر .

ولا يعنينا الآن بيان وجه استدلال الإمام بالآية على ما ذهب إليه بعد أن صح رجوعه إلى قول الصاحبين .

فظهر أن قول الثلاثة بجواز قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة لمن لا يحسنها ليس مبناه أن الترجمة تصير قرآنا عند العجز عن أدائه بالعربية ، فيفرض عليه ذلك في هذه الحالة ، بل المفروض عليه حينئذ تعلم العربية ; لأنه القرآن المأمور به في الصلاة ، وإنما هو مبني على الاكتفاء بالمعنى في حقه لعجزه ، ولأنه الميسور له من معنى القرآن الذي هو مجموع النظم والمعنى المأمور به في الصلاة . ولما كان أداء المفروض موقوفا على النظم العربي ، وليس ذلك ميسورا له أتى بالترجمة بدلا عنه ; لتقوم مقامه في أداء المعنى المفروض ، مع أنها ليست قرآنا ; لأن القرآن هو كلام الله ، المنزل بلغة العرب ، والترجمة ليست كذلك - وفي الدراية قراءة غير العربي تسمى قرآنا مجازا ، ألا ترى أنه يصح نفي القرآن عنه فيقال ليس بقرآن وإنما هو ترجمته ، وإنما جوزناه للعاجز إذا لم يخل بالمعنى ، لأنه قرآن من وجه باعتبار اشتماله على المعنى ، فالإتيان به أولى من الترك مطلقا ; إذ التكليف بحسب الوسع اهـ .

وظاهر أن مسألة القراءة في الصلاة شيء ، ومسألة ترجمة القرآن وقراءته بغير اللغة العربية مطلقا شيء آخر ، والكلام في الثاني دون الأول ، ولا يلزم من جواز الأول على فرض [ ص: 283 ] تسليمه جواز الثاني ، حتى ينسب إلى الإمام وصاحبيه القول بجواز ترجمة القرآن وقراءته خارج الصلاة ، وكتابته بغير اللغة العربية ، وكيف ذلك وقد أجمعت كتبهم على أن الخلاف في خصوص الصلاة . وأصله أن الأمر بالقراءة إنما هو في الصلاة دون غيرها كما أطبقوا على أنه المراد في قوله تعالى : فاقرءوا ما تيسر من القرآن ( 73 : 20 ) والقرآن المعروف هو اللفظ المنزل بلغة العرب خاصة .

وفي شرح أصول البزدوي للإمام عبد العزيز بن أحمد البخاري الحنفي : القرآن اسم للنظم والمعنى جميعا في قول عامة العلماء ، وهو الصحيح من قول أبي حنيفة ، إلا أنه لم يجعل النظم ركنا لازما في جواز الصلاة خاصة ، وإنما هو لازم فيما سواه من الأحكام الأخرى ، كوجوب الاعتقاد ، وحرمة كتابة المصحف بالفارسية ، وحرمة المداومة والاعتياد على القراءة بها اهـ .

وقد نقل أن الإمام رجع عن هذا القول في الصلاة أيضا إلى القول بعدم جواز الصلاة بالفارسية مطلقا ، فيكون النظم ركنا لازما عنده في كل حالة كما ذكره العلامة الآلوسي في تفسيره عند قوله : وإنه لفي زبر الأولين ( 26 : 196 ) بناء على عود الضمير إلى القرآن باعتبار معناه وفي رواية عنه : تخصيص الجواز بالفارسية ; لأنها أشرف اللغات بعد العربية ، وفي أخرى إنها إنما تجوز بالفارسية في الصلاة للعاجز عن العربية ، وقد صحح رجوعه عن القول بجواز القراءة بغير العربية مطلقا جمع من الثقات المحققين ; لضعف الاستدلال بهذه الآية عليه كما لا يخفى فإن الظاهر عود الضمير في الآية على القرآن بتقديم مضاف ، أي وإن ذكر القرآن لفي الكتب المتقدمة ، وهذا كما يقال إن فلانا في دفتر الأمير اهـ ملخصا .

ومن هذا يعلم ما في استدلال بعضهم بقول الإمام على جواز ترجمة القرآن بأي لغة خارج الصلاة وداخلها للقادر والعاجز ; لأنه على رواية التخصيص بالفارسية لا تجوز بغيرها مطلقا ، وعلى رواية رجوعه إلى قول صاحبيه لا تجوز خارج الصلاة مطلقا ، ولا للقادر في الصلاة ، وعلى رواية الثقات عنه : لا تجوز مطلقا بغير العربية في الصلاة وغيرها للقادر والعاجز والمعول عليه رأيه الأخير الذي صح إليه كما هو رأي الجماعة ، فكيف يصح الاستدلال بقوله على جواز ترجمة القرآن مطلقا ؟ اهـ ( ص31 - 36 ) ثم قال في فصل آخر ( ص39 ) : " ومذهب الشافعية عدم جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة مطلقا سواء كان يحسن العربية أو لا يحسنها ، وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن حجر من أئمة الشافعية - وقد سئل [ ص: 284 ] هل تحرم كتابة القرآن بالعجمية كقراءته ؟ فأجاب بقوله قضة ما في المجموع عن الأصحاب التحريم ، ووجهه بما لا يخرج عما قدمناه فراجعه .

" وقال الإمام الزركشي من أئمة الشافعية رحمه الله : الأقرب المنع من كتابة القرآن بالفارسية كما تحرم قراءته بغير لغة العرب ، وفي شرح العباب أن كتابة القرآن العظيم بالعجمي تصرف في اللفظ المعجز الذي حصل به التحدي بما لم يرد بل بما يوهم عدم الإعجاز بل الركاكة ; لأن الألفاظ العجمية فيها تقديم المضاف إليه على المضاف ; وذلك مما يخل بالنظم ويشوش الفهم ، وقد صرحوا بأن الترتيب مناط الإعجاز . وهو ظاهر في حرمة تقديم آية على آية يعني أو كلمة على كلمة كما يحرم ذلك قراءة اهـ .

" بل نصوا على أن في ترتيب حروف الكلمات القرآنية ، ومراعاة التناسب فيما بينها من الصفات من وجوه الإعجاز ما لا يقدر أحد من البشر على الإتيان بمثله فضلا عما في ترتيب الكلمات والجمل من اللطائف والأسرار مما لا يحوم حول بيانه لسان أو يدركه جنان .

" ومع اتفاقهم على عدم جواز كتابة القرآن بغير العربية اختلفوا فيما إذا كتب بغيرها : هل يحرم مسه وحمله للحائض والجنب ؟ ذهب الجمهور إلى الجواز ; لأنه ليس بقرآن ، ونقل العلامة الشوبري عن الشافعية : أن القرآن إذا كتب بغير العربية يحرم مسه وحمله للحائض والجنب ، إذ لا يخرج بذلك عن كونه قرآنا ، وإلا لم تحرم كتابته اهـ .

ولعل المراد به أنه لم يخرج بذلك عن كونه متضمنا معنى القرآن بقدر ما تسعه أوضاع اللغة المكتوب بها ، وإن خرج عن نظمه وأسلوبه ، وإعطاؤها حكم القرآن حملا ومسا عندهم إنما هو احترام لهذا القدر ، وإلحاق لنقوش الرسم العجمي بالرسم المخطوط العربي مع مراعاة جانب المعنى في الجملة .

" ولم يلاحظ مثل ذلك في التفسير مع أن نظم القرآن موجود فيه متخلل بين سطوره لم يطرأ عليه تغيير ولا تبديل ، نظرا إلى أن المجموع المركب من القرآن وغيره لا يطلق عليه اسم القرآن ولا ترجمته بل يسمى تفسيرا فقط ، والغالب أن تكون ألفاظه أكثر من ألفاظ القرآن فروعي جانبه في الحكم كما روعي في التسمية ، والكتابة بغير العربية ، وإن لم يكن نظم القرآن موجودا فيها بذاته ، ولا هي دالة عليه بهيئته ، ولكن لوضع نقشه مكان النقش الدال عليه وإقامته مقامه نزل منزلته .

" والحاصل أن الرسوم الكتابية لما كانت كلها من وضع البشر لا فرق بين عربي وغيره أعطيت حكما واحدا حملا ومسا ، بخلاف الألفاظ ، فإن نظم القرآن من وضع الله تعالى وما عداه من صنع البشر ; فلذلك لم ينزل غير النظم المعجز منزلته قراءة وتعبدا ونزل الرسم غير العربي منزلة العربي حملا ومسا عند هذه الطائفة .

[ ص: 285 ] " ومذهب الحنابلة : أن الصلاة تفسد بالقراءة بالفارسية ونحوها عند العجز وعدمه ، وهو يدل على منع قراءة القرآن وكتابته بغير العربية مطلقا .

ومذهب المالكية : أنه لا تجوز قراءة القرآن وكتابته بغير العربية ; ولذلك أوجبوا تعلم الفاتحة على من لا يحسن قراءتها في الصلاة بالعربية إن أمكن ، وإلا ائتم بمن يحسنها ، فإن لم يكن فالمختار سقوطها وسقوط القيام لها وقيل : يجب قيامه بقدر ما تيسر من الذكر .

" إذا علمت هذا فالمعول عليه عند جميع الأئمة أنه لا تجوز كتابة القرآن ولا قراءته بغير العربية لعاجز أو قادر ، لا في الصلاة ولا خارجها ، إلا ما تقدم عن السادة الحنفية في خصوص الصلاة للعاجز عن العربية ، وقد علمت ما فيه وتصحيح الثقات رجوع الإمام عنه .

" ومن ذلك تعلم ما في قول صاحب الكافي من علماء الحنفية ( إن اعتاد القراءة بالفارسية أو أراد أن يكتب مصحفا بها يمنع ، وإن فعل في آية أو آيتين لا فإن كتب القرآن وتفسير كل حرف وترجمته جاز اهـ .

" فإنه إن أراد بالترجمة الترجمة الحرفية للقرآن فقد علمت أنها لا تجوز مطلقا ذكر معها تفسير أو لم يذكر ; لأنها تحريف وتغيير للنظم لا يدفعه اقتران التفسير به ، وإن أراد الترجمة التفسيرية فهذه جائزة مطلقا بالشرط الذي بيناه ، وليست ترجمة القرآن ، على أن نصوص الفقهاء من الحنفية وغيرهم تخالفه .

ولذلك أفتى صاحب الفضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر بمنع ترجمة القرآن ، ووجوب مصادرة المصحف المشتمل على الترجمة الحرفية وإن كان معها ترجمة تفسيرية .

" وما يتوهم من جواز الترجمة الحرفية أخذا من ظاهر قوله تعالى : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ( 9 : 6 ) فليس بصحيح ; لأن المعنى كما ذكره الآلوسي وغيره أن المشرك إذا طلب الأمان بعد انقضاء الأجل المضروب يؤمن حتى يتدبر الأمر ويتعظ بما يدعى إليه من هدي الإسلام ، فإن كان من العرب تتلى عليه آيات الله وكلامه ; لأنه من أعرف الناس بدلالتها وأعلمهم ببراعة أسلوبها وبلاغة نظمها ، وكثير منهم كانوا إذا سمعوا القرآن خروا له سجدا وهم صاغرون ، وآمنوا به وهم لإعجازه مذعنون .

[ ص: 286 ] وإن كان من غير العرب الذين لا يعرفون اللغة العربية يبين له ما يرشده للحق ويهديه إلى الصراط المستقيم لا بخصوص كلام الله تعالى .

واقتصر في الآية على ذكر السماع ; لأنها مسوقة لبيان حال مشركي العرب ، وهم من أهل اللسن والبلاغة ، وإن كان لفظها يتناولهم وغيرهم من المشركين ، والمراد : حتى ينصاعوا لطاعة الله ورسوله .

" وقد علمت مما سلف حكم ترجمة كتبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن بعثها إلى الكفار مشتملة على بعض الآيات القرآنية لا ينهض دليلا على جواز الترجمة الحرفية للقرآن الكريم ; لجواز أن يكون ترجمة ما وقع فيها من نحو الآية والآيتين ترجمة تفسيرية لا حرفية ، ولو سلم أنها حرفية فهي لم تذكر في الكتب على أنها نظم من القرآن ، ولا قصد بها تلاوته بل سيقت الدعوة إلى حكمها ضمن كتبه عليه الصلاة والسلام اهـ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث