الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

شبهات من أباح ترجمة القرآن في هذا الزمان

قد كان مما نشكو من فوضى العلم والدين في هذا الزمان ، أن بعض الناس كتبوا مقالات في الجرائد خالفوا فيها جماعة المسلمين منذ ظهر الإسلام إلى اليوم فزعموا أن ترجمة القرآن مباحة ، وجاءوا بشبهات يحتجون بها على رأيهم ، بعضها آراء لهم ، وبعضها أقوال من الكتب لم يفهموها ، فهي لا تدل على زعمهم ، ولو دلت عليها لم تكن حجة ; لأنها كآرائهم ، وما كان لأحد أن ينقض برأيه بناء رفع سمكه القرآن ، وأجمعت عليه الأمة قولا وعملا .

( الشبهة الأولى ) ما استدل به بعض الحنفية لإمامهم على قوله الذي كان خطر له ، ثم رجع عنه لظهور بطلانه له ، كما أنه لم يتابعه عليه أصحابه ، ولا عمل به أحد من أتباعه . أعني ما سبقت الإشارة إليه مرارا من جواز قراءة العاجز عن النطق بالعربية لما عجز عنه من القرآن في الصلاة بالفارسية ، أعني بما استدل له بقوله تعالى في سورة الشعراء : وإنه لفي زبر الأولين ( 26 : 196 ) قال الزمخشري في كشافه في تفسيرها : وإن القرآن - يعني ذكره - مثبت في سائر الكتب السماوية . وقيل : إن معانيه فيها ، وبه يحتج لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة حيث قيل : وإنه لفي زبر الأولين لكون معانيه فيها اهـ . ونقله عنه آخرون كصاحب التفسيرات الأحمدية . وصاحب فتح البيان ، ونقله عنهم في هذه الأيام بعض الأزهريين في الجرائد عندما دار الجدال في حكم ترجمة القرآن باللغات الأعجمية وادعى أن الزمخشري فهم هذا من الآية .

ونقول في رد هذه الشبهة : ( أولا ) إن الزمخشري لم يفهم هذا من الآية ، بل فهم غيره ، ونقله بصيغة التمريض والتضعيف " قيل " وإنما الذي فهمه واعتمده ما قبله ، ولعله لولا [ ص: 287 ] عادة المنتمين إلى مذهب مجتهد لحكاية كل ما يؤيد قوله من قوي وضعيف لم ينقله ، ولو بصيغة التمريض ، وله كثير من النقول الضعيفة التي لا يحمل تبعتها لإشارته إلى ضعفها .

( ثانيا ) أن سبب إشارته إلى ضعفه هو أن تفسير المعاني بما ذكروه ظاهر البطلان لا يمكن أن يريده الإمام أبو حنيفة ، ولا من دونه في علم اللغة والدين ، أعني أن تكون معانيه هي مدلول كلمة القرآن كله أو بعضه ، بأن تكون سورة الفاتحة الواجبة في الصلاة - وهي موضوع مسألة أبي حنيفة قبل كل شيء - موجودة في التوراة بهذا النظم والترتيب ولكن بألفاظ عبرانية ; إذ لو كان الأمر كذلك لكان القرآن ترجمة للتوراة ، وصح أن يقال : إنه هو التوراة ، ولا نطيل في بيان وجوه فساد هذا القول وبطلانه ، وما كان يترتب عليه لو كان مرادا من الأباطيل كاحتجاج اليهود وغيرهم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه لم يأت بكتاب جديد من عند الله بل بترجمة بعض التوراة .

( ثالثا ) إن فرضنا أن هذا مراد في بعض القرآن كقصة موسى التي في سورة الشعراء أو مطلقا دون الفاتحة ، ومثل قصة بدر وأحد ، وأن من قرأ قصة موسى في سورة الشعراء يصح أن يقول : قرأت التوراة مترجمة بالعربية ، فإن هذا - على كونه - ليس بصحيح أيضا على حقيقته - لا يدل على جواز ترجمة القرآن كله كما أن الذي يقرأ القصة في سفر الخروج من التوراة لا يصح أن يقول : قرأت القرآن الذي هو موضوع الخلاف . وإنما قصارى ما يدل عليه أن تجوز قراءة عبارة التوراة الموافقة للقرآن في الصلاة ، وأن يقاس عليها جواز ترجمتها بالفارسية مثلا ، ولم يقل بالأصل أبو حنيفة ولا غيره من علماء المسلمين حتى يصح قياسهم عليه . وهاهنا مجال واسع للتجهيل والسخرية بمن يتهوكون مثل هذا التهوك الذي نحن بصدده ، وينشرونه على الناس في مسألة عظيمة كهذه نتركه عفوا عنهم .

( رابعا ) اتفق السلف والخلف من علماء التفسير على أن الكلام في الآية مقدر فيه مضاف قبل ضمير القرآن ، ومضاف قبل ضمير القرآن ، ومضاف قبل زبر الأولين - كما قال ابن جرير - والمعنى : وإن ذكره أو خبره أو دليل صدقه - مثلا - لثابت في بعض زبر الأولين . ولهم في الضمير قولان : ( أحدهما ) : أنه القرآن - وهو المتبادر من السياق قبله - ( والثاني ) : أنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما قال : يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ( 7 : 157 ) .

( خامسا ) أن الذي يوجد من معاني القرآن في كتب الرسل الأولين قسمان : ( أحدهما ) عام يوجد فيها كلها وهو أصول الدين الإلهي المطلق من الإيمان بالله تعالى وعبادته وحده والإيمان باليوم الآخر ، والعمل الصالح وما يقابل ذلك من الزجر عن الشرك والمعاصي [ ص: 288 ] والرذائل - ويصح حمل الآية عليه على حد قوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ( 42 : 13 ) إلخ : ( والثاني ) خاص وهو الأقرب إلى السياق سابقه ولاحقه ، وهو أن المراد ما في هذه السورة وأمثالها من قصة موسى وكذا غيره من الرسل عليهم السلام التي كانت مجهولة عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقومه وأهل بلده خاصة ; ولذلك قال بعدها أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ( 26 : 197 ) كما قال عقب قصة موسى في سورة القصص مخاطبا لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ محتجا على صدق ما جاء به : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ( 28 : 44 ) الآيات .

فهل يصح لذي علم أو فهم أن يقول في الآية إنها تدل على جواز ترجمة القرآن بالفارسية أو غيرها ، وإن الترجمة مع هذا تسمى قرآنا ، وكلام الله ، ويتعبد بها ، خلافا لنصوص القرآن القطعية ، ولإجماع الأمة منذ وجد الإسلام إلى اليوم ؟ ! لك أن تقول : إن فوضى العلم والدين يصح معها ما هو أبعد من هذا عن العلم والفهم ، كما صح لعالم أزهري أن يقول : إن الزمخشري رجح القول الذي رأيت أنه حكاه حكاية بصيغة التضعيف ، وأنه ليس في سياق الآية ، ولا في قواعد اللغة ما يمنع هذا التفسير ، وقد علمت قطعا أن سياق الآية ، والمتبادر من اللغة يمنع ذلك ! ! ! .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث