الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( وأوكد الصلوات في المحافظة عليها الصلاة الوسطى ; لأن الله تعالى خصها بالذكر فقال تعالى { والصلاة الوسطى } [ والصلاة الوسطى هي الصبح والدليل عليه أن الله تعالى قال { وقوموا لله قانتين } ] فقرنها بالقنوت ولا قنوت إلا في الصبح ، ولأن الصبح يدخل وقتها والناس في أطيب نوم فخصت بالمحافظة [ عليها ] حتى لا يتغافل عنها بالنوم ، ولهذا خصت بالترتيب [ فدل على ما قلناه ] )

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) اتفق العلماء على أن الصلاة الوسطى آكد الصلوات الخمس ، واختلفوا فيها ، فقال الشافعي هي الصبح ، نص عليه في الأم وغيره ، وهو مذهب مالك ونقله الواحدي عن عمر ومعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر وجابر رضي الله عنهم وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس رحمهم الله وقال طائفة : هي العصر ، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر ونقله الواحدي عن علي وابن مسعود وأبي هريرة رضي الله عنهم والنخعي [ ص: 64 ] والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل ونقله ابن المنذر عن أبي أيوب الأنصاري وأبي سعيد الخدري وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وعبيدة السلماني رحمه الله ، ونقله الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم وقالت طائفة : هي الظهر ، وهو رواية عن أبي حنيفة ونقله الواحدي عن زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وعائشة ونقله ابن المنذر عن عبد الله بن شداد ، وقال قبيصة بن ذؤيب : هي المغرب ، قال الواحدي : وقال بعضهم : هي العشاء الآخرة وبعضهم : إنها إحدى الصلوات الخمس مبهمة ، ونقل القاضي عياض عن بعضهم : أنها الجمعة ، وعن بعضهم أن الوسطى جميع الصلوات الخمس .

                                      فهذه مذاهب العلماء فيها ، والصحيح منها مذهبان العصر والصبح ، والذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر ، وهو المختار . قال صاحب الحاوي : نص الشافعي رحمه الله أنها الصبح وصحت الأحاديث أنها العصر ، ومذهبه اتباع الحديث ، فصار مذهبه أنها العصر ، قال : ولا يكون في المسألة قولان كما وهم بعض أصحابنا . هذا كلام صاحب الحاوي . واحتج القائلون أنها العصر بحديث علي رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب : شغلونا عن الصلاة الوسطى ، صلاة العصر ، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا } رواه مسلم بهذا اللفظ والبخاري بمعناه . واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف وأجابوا عن الحديث بأن العصر تسمى وسطى ولكن لا نسلم أنها المرادة في القرآن ، وهذا الجواب ضعيف ، واحتجاج أصحابنا بقوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } مما ينكره المخالفون ، ويقولون لا نسلم إثبات القنوت في الصبح ، وإن سلمناه لا نسلم أن المراد بالقنوت هذا القنوت المعروف عندكم ، بل القنوت الطاعة والعبادة ، كذا قال أهل اللغة : إن هذا أشهر معانيه ، والجواب عن هذا الإنكار أن القنوت في اللغة يطلق على طول القيام ، وعلى الدعاء ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أفضل الصلاة طول القنوت } وقال أبو إسحاق [ ص: 65 ] الزجاج : المشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت العبادة والدعاء لله تعالى في حال القيام ، قال الواحدي : فتظهر الدلالة للشافعي أن الوسطى الصبح لأنه لا فرض يدعى فيه قائما غيرها ، والله أعلم . ومما استدل به البيهقي على أنها الصبح وليست العصر حديث { عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمن يكتب لها مصحفا : اكتب { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } وصلاة العصر وقوموا لله قانتين قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم } رواه مسلم ، قال فعطف العصر على الوسطى يدل على أنها غيرها .




                                      الخدمات العلمية