الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الإجارة من العصر إلى الليل

جزء التالي صفحة
السابق

باب الإجارة من العصر إلى الليل

2151 حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم فعملوا له إلى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل فقال لهم لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا واستأجر أجيرين بعدهم فقال لهما أكملا بقية يومكما هذا ولكما الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالا لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه فقال لهما أكملا بقية عملكما ما بقي من النهار شيء يسير فأبيا واستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور [ ص: 524 ]

التالي السابق


[ ص: 524 ] قوله : ( باب الإجارة من العصر إلى الليل ) أي : من أول وقت العصر إلى أول دخول الليل ، أورد فيه حديث أبي موسى وقد مضى سنده ومتنه في المواقيت ، وشيخه أبو كريب المذكور هناك هو محمد بن العلاء المذكور هناك ، وبريد بالموحدة والتصغير هو ابن عبد الله بن أبي بردة .

قوله : ( كمثل رجل استأجر قوما ) هو من باب القلب والتقدير : " كمثل قوم استأجرهم رجل ، أو هو من باب التشبيه بالمركب .

قوله : ( يعملون له عملا يوما إلى الليل ) هذا مغاير لحديث ابن عمر ؛ لأن فيه أنه استأجرهم على أن يعملوا إلى نصف النهار وقد تقدم ذكر التوفيق بينهما في المواقيت ، وأنهما حديثان سيقا في قصتين ، نعم وقع في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الماضية في المواقيت الآتية في التوحيد ما يوافق رواية أبي موسى ، فرجحها الخطابي على رواية نافع وعبد الله بن دينار ، لكن يحتمل أن تكون القصتان جميعا كانتا عند ابن عمر فحدث بهما في وقتين ، وجمع بينهما ابن التين باحتمال أن يكونوا غضبوا أولا فقالوا ما قالوا إشارة إلى طلب الزيادة ، فلما لم يعطوا قدرا زائدا تركوا فقالوا : لك ما عملنا باطل . انتهى ، وفيه مع بعده مخالفة لصريح ما وقع في رواية الزهري في المواقيت وفي التوحيد ففيها " قالوا : ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا ونحن كنا أكثر عملا " ، ففيه التصريح بأنهم أعطوا ذلك ، إلا أن يحمل قولهم " أعطيتنا " أي أمرت لنا أو وعدتنا ، ولا يستلزم ذلك أنهم أخذوه ، ولا يخفى أن الجمع بكونهما قصتين أوضح ، وظاهر المثل الذي في حديث أبي موسى أن الله تعالى قال لليهود : آمنوا بي وبرسلي إلى يوم القيامة ، فآمنوا بموسى إلى أن بعث عيسى فكفروا به ، وذلك في قدر نصف المدة التي من مبعث موسى إلى قيام الساعة ، فقولهم : " لا حاجة لنا إلى أجرك " ، إشارة إلى أنهم كفروا وتولوا واستغنى الله عنهم ، وهذا هو إطلاق القول لإرادة لازمه ؛ لأن لازمه ترك العمل المعبر به عن ترك الإيمان ، وقولهم : " وما عملنا باطل " إشارة إلى إحباط عملهم بكفرهم بعيسى ، إذ لا ينفعهم الإيمان بموسى وحده بعد بعثة عيسى ، وكذلك القول في النصارى إلا أن فيه إشارة إلى أن مدتهم كانت قدر نصف المدة فاقتصروا على نحو الربع من جميع النهار ، وقوله : ولكم الذي شرطت زاد في رواية الإسماعيلي " الذي شرطت لهؤلاء من الأجر " يعني الذين قبلهم ، وقوله : " فإنما بقي من النهار شيء يسير " أي : بالنسبة لما مضى منه والمراد ما بقي من الدنيا ، وقوله : " واستكملوا أجر الفريقين " أي : بإيمانهم بالأنبياء الثلاثة ، وتضمن الحديث الإشارة إلى قصر المدة التي بقيت من الدنيا ، وسيأتي الكلام عليه في قوله : بعثت أنا والساعة كهاتين .

قوله : ( حتى إذا كان حين صلاة العصر ) هو بنصب حين ويجوز فيه الرفع . قوله : ( واستكملوا أجر الفريقين كليهما ) كذا لأبي ذر وغيره ، وحكى ابن التين أن في روايته " كلاهما " بالرفع وخطأه ، وليس كما زعم بل له وجه .

[ ص: 525 ] قوله : ( فذلك مثلهم ) أي : المسلمين ( ومثل ما قبلوا من هذا النور ) في رواية الإسماعيلي : " فذلك مثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسوله ومثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله " واستدل به على أن بقاء هذه الأمة يزيد على الألف ؛ لأنه يقتضي أن مدة اليهود نظير مدتي النصارى والمسلمين ، وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود إلى بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت أكثر من ألفي سنة ، ومدة النصارى من ذلك ستمائة ، وقيل : أقل ، فتكون مدة المسلمين أكثر من ألف قطعا ، وتضمن الحديث أن أجر النصارى كان أكثر من أجر اليهود ؛ لأن اليهود عملوا نصف النهار بقيراط والنصارى نحو ربع النهار بقيراط ، ولعل ذلك باعتبار ما حصل لمن آمن من النصارى بموسى وعيسى فحصل لهم تضعيف الأجر مرتين ، بخلاف اليهود فإنهم لما بعث عيسى كفروا به . وفي الحديث تفضيل هذه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها . وفيه جواز استدامة صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس ، وفي قوله : " فإنما بقي من النهار شيء يسير " إشارة إلى قصر مدة المسلمين بالنسبة إلى مدة غيرهم ، وفيه إشارة إلى أن العمل من الطوائف كان مساويا في المقدار . وقد تقدم البحث في ذلك في المواقيت مشروحا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث