الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          [ ص: 173 ] وأما حديث سعد : فإنا رويناه من طريق سفيان الثوري عن سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه . ومن طريق مروان بن معاوية الفزاري عن هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن عامر بن سعد عن أبيه .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق أيوب السختياني عن عمرو بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن عن ثلاثة من ولد سعد ، كلهم عن سعد

                                                                                                                                                                                          ومن طريق قتادة عن يونس بن جبير عن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد بن أبي وقاص .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعد ، وعائشة أم المؤمنين ، كلهم قال في هذا الخبر : أفأوصي بمالي أو بثلثي مالي يا رسول الله ؟ ثم بنصفه - وهو خبر واحد . فصح أن الذين رووا لفظ " أفأتصدق " عن الزهري إنما عنوا به الوصية بلا شك ، لا الصدقة في حال الحياة ; لأنه كله خبر واحد ، عن مقام واحد ، عن رجل واحد ، في حكم واحد ; وكل وصية صدقة . وليس كل صدقة وصية . نعم : وروينا هذا الخبر من طريق أبي داود نا أبو الوليد الطيالسي قال : نا عبد العزيز بن الماجشون ، وإبراهيم بن سعد ، كلاهما عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال : { مرضت مرضا شديدا فأشفيت منه فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وإنما ترثني ابنة لي واحدة ، أفأتصدق بمالي كله ؟ قال : لا ، قلت : فأوصي بالشطر ، قال : لا قلت : يا رسول الله فبم أوصي ؟ قال : الثلث والثلث كثير ، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس } . [ ص: 174 ] فروى مالك ; وابن عيينة عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أفأتصدق ؟ وروى إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه مرة : أفأتصدق ، ومرة : أفأوصي ؟ وروى معمر ، وسعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه أفأوصي ؟ وليسا دون مالك ، وابن عيينة .

                                                                                                                                                                                          واتفق سائر من ذكرنا على لفظ : " أوصي " فارتفع الإشكال جملة .

                                                                                                                                                                                          وأيضا : فليس في هذا الخبر نص ولا دليل بوجه من الوجوه على أن ذلك الحكم في المرض خاصة دون الصحة ، فمن قال : إنه في المرض خاصة فقد كذب وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، وهذا من أكبر الكبائر .

                                                                                                                                                                                          وأيضا : فقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سعدا سيبرأ وتكون له آثار في الإسلام ، فبطل أن يكون ذلك حكم المرض الذي يموت المرء منه - : روينا من طريق أبي داود نا عثمان بن محمد بن أبي شيبة نا جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا أخبر به ، حفظه من حفظه ، ونسيه من نسيه ، قد علم أصحابي هؤلاء أنه ليكون مني الشيء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه فإذا رآه عرفه .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وسعد قد فتح أعظم الفتوح ، وأنزل ملك الفرس عن سريره ، وافتتح قصوره ، ودوره ، ومدائنه ، فبطل أن يكون لهم بهذا الخبر متعلق أصلا .

                                                                                                                                                                                          وأما خبر عمران بن الحصين في الستة الأعبد ، فأولى الناس أن لا يحتج به : أبو حنيفة ، وأصحابه الذين لا يستحيون من أن يقولوا : إنه قمار ، وإنه فعل باطل ، وحكم جور ؟ شاه وجه من قال ذلك في حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبقي الكلام فيه مع المالكيين والشافعيين ، وأصحابنا القائلين به - : قال علي : فنقول - وبالله التوفيق - : إنه لا حجة لهم فيه أصلا لوجوه ثلاثة - : أولها : أنه ليس فيه إلا العتق وحده ، فإقحامهم مع العتق جميع أفعال المريض خطأ وتعد لحدود الله تعالى ، والقياس باطل ، ولو كان حقا لكان ههنا باطلا ; لأنهم [ ص: 175 ] يفرقون بين حكم العتق وسائر الأحكام ، فيوجبون فيمن أعتق شقصا له من عبد أن يقوم عليه باقيه فيعتقه ، ولا يرون فيمن تصدق بنصف عبده أو أوقف نصف داره ، أو نصف فرسه ، أو تصدق بنصف ثوبه أو بنصف ضيعته : أن يقوم عليه باقي ذلك ، وينفذ فعله في جميعه - : فمن أين وجب أن يقاس على العتق ههنا ؟ ولم يجب أن يقاس عليه هنالك ؟ إن هذا لتحكم فاسد ؟ والوجه الثاني : أنه ليس فيه : من فعل المريض كلمة ، ولا دلالة ، ولا إشارة بوجه من الوجوه : إنما فيه " أعتق عند موته " فكان الواجب عليهم : أن يجعلوا هذا الحكم فيمن أعتق عند موته - صحيحا أو مريضا . فمات إثر ذلك ، لا فيمن أعتق مريضا ، أو صحيحا ، ثم تراخى موته ، فإن هذا لم يعتق عند موته بلا شك - وهذا مما خالفوا فيه الخبر الذي احتجوا به فيما فيه ، وأقحموا فيه ما ليس فيه واحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء أصلا ، وهذه قبائح موبقة - نعوذ بالله منها .

                                                                                                                                                                                          والثالث : أن هذا الخبر حجة لنا عليهم قاطعة ; لأن هذا الإنسان لم يبق لنفسه شيئا أصلا ، هكذا في الحديث أنه لم يكن له مال غيرهم ، وهذا عندنا مردود الفعل - صحيحا كان أو مريضا - ولا يجوز لأحد في ماله عتق تطوع ، ولا صدقة تطوع ، ولا هبة يبت بها إلا فيما أبقى غنى ، كما قال عليه السلام { الصدقة عن ظهر غنى } .

                                                                                                                                                                                          وقد أبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتق إنسان صحيح لم يكن له مال غيره - : كما روينا من طريق البخاري ، وأحمد بن شعيب ، قال البخاري : نا عاصم بن علي ، وقال أحمد : أنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم نا أبي وعمي - هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد - ثم اتفق عاصم ، وسعد ، ويعقوب أبناء إبراهيم ، قالوا كلهم : نا ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله { أن رجلا أعتق عبدا له لم يكن له مال غيره فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وابتاعه منه نعيم بن النحام } قال الزهريون في روايتهم : فرده عليه السلام - : فهذا إسناد كالشمس لا يسع أحدا خلافه .

                                                                                                                                                                                          فصح أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رد عتق أولئك الأعبد ; لأن معتقهم لم يكن له مال غيرهم ، وكان عتقه عليه السلام لثلثهم - والله أعلم - كما روي في بعض الأخبار : { أنه عليه السلام قال لكعب بن مالك إذ جعل على نفسه إذ تاب الله عليه : يجزيك من ذلك [ ص: 176 ] الثلث } وإن كان هذا اللفظ لا يصح ، لكنه عليه السلام قال له : { أمسك عليك بعض مالك } ; فأمسك سهمه بخيبر ، فقد يكون ذلك المعتق له في أربعة منهم غنى .

                                                                                                                                                                                          وبرهان هذا - : أن الرواية الثانية في ذلك الخبر : أنه عليه السلام إنما أعتق اثنين ، وأرق أربعة ولم يذكر قيمة ، والثلث عند المحتجين بهذا الخبر لا يكون هكذا أصلا ، ولا يكون إلا بالقيمة .

                                                                                                                                                                                          ووجه رابع - وهو أننا روينا هذا الخبر من طريق مسلم نا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - وابن أبي عمر كلاهما عن الثقفي - هو عبد الوهاب بن عبد المجيد - عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن الحصين : { أن رجلا أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين لم يكن له مال غيرهم ، فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين ، وأرق أربعة ، وقال له قولا شديدا } . فصح أن ذلك العتق إنما كان وصية ، ولا خلاف أنها الصحيح والمريض سواء ، ولا تجوز إلا بالثلث ، فإن كانت الروايتان حديثا واحدا - وهو الأظهر الذي لا يكاد يمكن ولا يجوز غيره - فقد ارتفع الكلام ، وبطل تعلقهم به ، وإن كانا خبرين - وهذا ممكن بعيد - فكلاهما لنا ، وموافق لقولنا ومخالف لقولهم ، وعلى كل حال فليس في شيء منه ذكر لمرض ولا لفعل في مرض أصلا ، ولا لأن الرد إنما كان ; لأن العتق وقع في مرض - وبالله تعالى التوفيق - فبطل عنهم كل ما موهوا به من الآثار التي هم أول مخالف لها ، وعادت كلها لنا عليهم حجة .

                                                                                                                                                                                          وأما ما رووا في ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم فكذلك أيضا ، وإنما هم ثلاثة : أبو بكر ، وعلي ، وابن مسعود - : فأما أبو بكر فإنما تعلقوا عنه بقوله : وإنما هو اليوم مال الوارث وهذا لا متعلق لهم به أصلا ; لأنه لا يختلف اثنان - وهم معنا أيضا - في أنه رضي الله عنه إنما عنى أنه مال الوارث بعد موته ، وأنه لم يعن بذلك أن مال المريض الذي يموت من ذلك المرض للوارث ما دام شيء من الروح في المريض ، ولا خلاف في أن أسماء لو ماتت - إذ قال [ ص: 177 ] أبو بكر هذا القول لها - لما ورث عبد الله ، وعروة ، والمنذر ، أولادها من مال أبي بكر حبة خردل ، ولا قيمتها ، فما فوق ذلك .

                                                                                                                                                                                          ولو كان مال المريض . قد صار مالا للوارث في مرضه لورثه عنه إن مات ورثته في حياة المريض ، وهذا لا يقوله أحد ، ولا أحمق ، ولا عاقل .

                                                                                                                                                                                          وأيضا فلا خلاف - منا ومنهم - في أن الوارث لو وطئ أمة المريض قبل موته لكان زانيا يحد حيث يحد لو وطئها وهو صحيح ولا فرق وأنه لو سرق من ماله قبل موته شيئا في مثله القطع لقطعت يده حيث تقطع يده لو سرق منه وهو صحيح - : فظهر تمويههم وبردهم وتدليسهم في الدين بإيهامهم الباطل من اغتر بهم ، وأحسن الظن بطرقهم .

                                                                                                                                                                                          فإن أتونا في صرف الأخبار التي ذكرنا قبل عن ظاهرها ببرهان مثل هذا وجب الانقياد للحق ، وإن لم يأتونا إلا بالكذب البحت ، وبالظن الفاسد ، وبالتمويه الملبس ، فعار ذلك وناره لا زمان لهم ، لا لنا - وبالله تعالى التوفيق - فبطل تعلقهم بخبر أبي بكر رضي الله عنه جملة .

                                                                                                                                                                                          وأما الخبر عن ابن مسعود فمرسل ; لأن الحسن ، والقاسم بن عبد الرحمن ، لم يدركاه - ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة ; لأن في إحدى الروايتين عنه : أنه ابتاعها في مرضه ، فأجاز بيعه وأعتقها عند موته ، فأمرها بأن تسعى في ثمنها للغريم .

                                                                                                                                                                                          وفي الأخرى أعتق عبده في مرضه لا مال له غيره ، فقال ابن مسعود : عتق ، ثلثه - والقول في هذا كالقول في بعض الأخبار المتقدمة من أنه إنما رد ذلك ; لأنه لم يكن له مال غيره ، فراعى ما أبقى له غنى .

                                                                                                                                                                                          وقد روينا من طريق ابن أبي شيبة نا حفص - هو ابن غياث - عن حجاج عن القاسم بن عبد الرحمن قال : أعتقت امرأة جارية لها ليس لها مال غيرها ، فقال عبد الله بن مسعود : تسعى في قيمتها - فهذا عبد الله قد رأى السعي في قيمتها إذ لم يكن له مال غيرها ، ولم يذكر أن ذلك كان في مرض أصلا ، فعاد فعل ابن مسعود - لو صح - حجة عليهم ، فكيف ولا حجة في قول أحد ولا فعله دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فبطل تعلقهم بابن مسعود ولاح خلافهم له ؟ [ ص: 178 ] وأما الرواية عن علي فمنقطعة ; لأن الحسن لم يسمع من علي شيئا ، ثم لو صحت لما كان لهم بها متعلق أصلا ; لأنه لم يقل علي رضي الله عنه أنه إنما فعل ذلك ; لأنه أعتقه في مرضه ألبتة ولا في تلك الرواية ذكر : أن ذلك كان في مرض لا بنص ولا بدليل ، وإنما فيه : أنه أعتقه عند موته فقط ، والأظهر أن عليا إنما أوجب الاستسعاء في ذلك ; لأنه لم يكن له مال غيره وعليه دين ، فهذا هو نص الخبر ، وهو قولنا لا قولهم كلهم ، وكذلك نقول بالاستسعاء في هذا إذا فضل من قيمة العتق عن الدين شيء قل أو كثر ، وليس في ذلك الخبر خلاف لهذا ، فلاح ولله الحمد كثيرا أن كل ما احتجوا به من أثر صحيح أو سقيم ، أو عن صاحب فليس منه شيء أصلا موافقا لقولهم ، وأن إيرادهم لكل ذلك تمويه ، وإيهام بالباطل ، والظن الكاذب ، وأن كله أو أكثره حجة لنا ، وموافق لقولنا - والحمد لله رب العالمين .

                                                                                                                                                                                          وأما احتجاجهم بالتابعين ، ودعواهم الإجماع في ذلك فغير منكر من استسهالهم الكذب على جميع أهل الإسلام - وقد أوردنا في صدر هذه المسألة بأصح طريق عن مسروق خلاف قولهم ، وأن عتق المريض من رأس ماله ، وإن مات من مرضه ذلك ، وأنه إنما قال بذلك ; لأنه شيء جعله لله تعالى ، فلا يرد .

                                                                                                                                                                                          فصح أن كل ما فعله المريض لله تعالى فمات من مرضه أو عاش ، فمن رأس ماله عند مسروق ، فظهر كذبهم في دعوى الإجماع ، فكيف وإنما جاءت في ذلك آثار عن أربعة عشر من التابعين فقط ؟ شريح ، والشعبي ، والنخعي ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم ، وسالم ، والزهري ، وربيعة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وعكرمة ، ومكحول ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة ، أكثر ذلك لا يصح عنهم ; لأنها من طريق جابر الجعفي ومثله .

                                                                                                                                                                                          ثم هم مختلفون ، فمنهم من رأى المسافر من حين يضع رجله في الغرز لا ينفذ له أمر في مال إلا من ثلثه - ومنهم من يرى ذلك في الحامل جملة . ومنهم من يرى ذلك في الأسير جملة ، والمالكيون ، والحنفيون ، والشافعيون : مخالفون لكل هذا . ثم قولهم في تفسير الأمراض مخالف لجميعهم ، فإن كان هؤلاء إجماعا فقد أقروا على أنفسهم بخلاف الإجماع ، وإن كان ليس إجماعا فلا حجة لهم في قول من [ ص: 179 ] دون الصحابة إذا لم يكن إجماعا عندهم ، فكيف وقد روينا عن مسروق ، والشعبي ، خلاف هذا .

                                                                                                                                                                                          وروينا من طريق محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدي نا سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم النخعي قال : إذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها في مرضها فهو جائز ، وقال سفيان : لا يجوز - : فصح أن إبراهيم إنما عنى مرضها الذي تموت منه ، ولم يراع ثلثا ، ولا رآه وصية .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق عن معمر قال : كتب عمر بن عبد العزيز في الرجل يتصدق بماله كله ؟ قال : إذا وضع ماله كله في حق فلا أحد أحق بماله منه ، وإذا أعطى بعض الورثة دون بعض فليس له إلا الثلث .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : لا يخلو عمر بن عبد العزيز من أن يكون أراد الصحيح ، والمريض معا ، أو المريض وحده ، أو الصحيح وحده - : فإن أراد الصحيح فقط فقد رد فعله في صدقته بماله كله ، وإن كان أراد المريض - : فقد أمضى فعله في ماله كله - فهذا خلاف ظاهر ؟ ومن طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني ، وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع : أن رجلا رأى فيما يرى النائم : أنه يموت إلى ثلاثة أيام فطلق نساءه طلقة طلقة ، وقسم ماله ؟ فقال عمر بن الخطاب له : أجاءك الشيطان في منامك فأخبرك : أنك تموت إلى ثلاثة أيام فطلقت نساءك وقسمت مالك ؟ رده ولو مت لرجمت قبرك كما يرجم قبر أبي رغال ؟ فرد ماله ونساءه ، وقال له عمر : ما أراك تلبث إلا يسيرا حتى تموت ؟ ومن طريق حماد بن سلمة نا يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين : أن امرأة رأت فيما يرى النائم أنها تموت إلى ثلاثة أيام فشذبت مالها وهي صحيحة ، ثم ماتت في اليوم الثالث فأمضى أبو موسى الأشعري فعلها .

                                                                                                                                                                                          فإن كان للموقن بالموت حكم المريض في ماله فقد أمضاه أبو موسى ، فهذا خلاف قولهم ، وإن كان له حكم الصحيح فقد رده عمر ، ولم يمض منه ثلثا ولا شيئا ، وهذا خلاف قولهم - وبالله تعالى التوفيق [ ص: 180 ] ومن أقبح مجاهرة ممن يجعل مثل من ذكرنا قبل إجماعا ثم لا يبالي بمخالفة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وخالد بن الوليد ، وأبي موسى ، وابن الزبير ، وغيرهم ، وطوائف من التابعين في القصاص من اللطمة ، وضربة السوط ، لا مخالف لهم يعرف من الصحابة ، ومثل هذا كثير جدا قد تقصينا منه جزءا صالحا في موضع آخر .

                                                                                                                                                                                          وأما قولهم : قسنا ذلك على الوصية ، فالقياس كله باطل ، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل ; لأن الوصية إنما تنفذ بعد الموت - وهي من المريض .

                                                                                                                                                                                          والصحيح سواء - بلا خلاف - لا تجوز إلا في الثلث فما دونه ، فإذا قيس فعل المريض عليها وجب أن يكون في الحياة فعل المريض كفعل الصحيح سواء سواء .

                                                                                                                                                                                          وأيضا : لو كان القياس حقا لكان لا شيء أشبه بشيء وأولى بأن يقاس عليه من شيئين شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما - : وقد روينا من طريق أحمد بن شعيب نا قتيبة نا أبو الأحوص عن أبي حبيبة عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الذي يعتق عند الموت كالذي يهدي بعد ما يشبع } .

                                                                                                                                                                                          قال علي : ولا يختلفون في أن الذي يهدي بعد ما يشبع فهديته من رأس ماله ، فإن كان القياس حقا فالمعتق عند الموت مثله سواء سواء ، فواجب أن يكون من رأس ماله ، قال تعالى : { وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها }

                                                                                                                                                                                          وهذا نص جلي لا يحتمل تأويلا على جواز الصدقة للصحيح والمريض ما لم يأته الموت ويجئ حلول أجله دون تأخير قريب أو بعيد ، ولكنهم لا النصوص يتبعون ولا القياس يحسنون . وأيضا : فلا خلاف بينهم أصلا في أن ما اشتراه المريض من فاكهة ، ولحم ، ونحو [ ص: 181 ] ذلك مما هو عنه في غنى ، وما تصدق به على سائل بالباب ، فإنه من رأس ماله ، فلو كان فعله في مرضه من الثلث لكان هذا من الثلث ، بل لو لم يكن له من ماله إلا الثلث ، في مرضه الذي يموت منه لما وجب أن يعد أكله ونفقته على نفسه وعياله إلا من الثلث ; لأن باقي ذلك لا حكم له فيه وهم لا يقولون بهذا - فظهر من تخاذلهم وتناقضهم وفساد أقوالهم في هذه المسألة ما بعضه يكفي - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية