الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      [ ص: 112 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( والمستحب أن يكون على طهارة لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { حق وسنة أن لا يؤذن لكم أحد إلا وهو طاهر } ولأنه إذا لم يكن على طهارة انصرف لأجل الطهارة فيجيء من يريد الصلاة فلا يجد أحدا فينصرف ، والمستحب أن يكون على موضع عال ; لأن الذي رآه عبد الله بن زيد كان على جذم حائط ، ولأنه أبلغ في الإعلام ، والمستحب أن يؤذن قائما ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { يا بلال قم فناد } ولأنه أبلغ في الإعلام فإن كان مسافرا وهو راكب أذن قاعدا كما يصلي قاعدا . والمستحب أن يكون مستقبل القبلة ، فإذا بلغ الحيعلة لوى عنقه يمينا وشمالا ولا يستدير ، لما روى أبو جحيفة رضي الله عنه قال : " رأيت بلالا خرج إلى الأبطح فأذن واستقبل القبلة فلما بلغ حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر " ولأنه إذا لم يكن له بد من جهة فجهة القبلة أولى ، والمستحب أن يجعل أصبعيه في صماخي أذنيه لما روى أبو جحيفة قال : { رأيت بلالا وأصبعاه في صماخي أذنيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له حمراء } ولأن ذلك أجمع للصوت ) .

                                      [ ص: 117 ]

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) أما حديث وائل فرواه البيهقي عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه موقوفا عليه ، وهو موقوف مرسل ، ; لأن أئمة الحديث متفقون على أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه شيئا ، وقال جماعة منهم : إنما ولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر ، وحجر بحاء مهملة مضمومة ثم جيم ساكنة ، وكنية وائل أبو هنيدة ، وهو من بقايا ملوك حمير ، نزل الكوفة وعاش إلى أيام معاوية . وأما قوله : ; لأن الذي رآه عبد الله بن زيد كان على جذم حائط ، فروى أبو داود معناه ، قال : ( قام على المسجد ) وجذم الحائط أصله ، وهو بكسر الجيم وإسكان الذال المعجمة . وأما حديث { يا بلال قم فناد } فرواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر رضي الله عنهما . وأما الحديثان اللذان عن أبي جحيفة فصحيحان رواه البخاري ومسلم عن أبي جحيفة قال " رأيت بلالا يؤذن فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يمينا وشمالا ، يقول حي على الصلاة حي على الفلاح " وفي رواية أبي داود " فلما بلغ : حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، لوى عنقه يمينا وشمالا ولم يستدر " وإسناده صحيح ، وفي روايةالترمذي : " رأيت بلالا [ ص: 113 ] يؤذن وأتتبع فاه ههنا وههنا وأصبعاه في أذنيه فقال الترمذي حديث حسن صحيح ، وأبو جحيفة بجيم مضمومة ثم حاء مهملة مفتوحة ، وهو صحابي مشهور رضي الله عنه واسمه وهب بن عبد الله ، وقيل وهب الله السوائي بضم السين توفي سنة ثنتين وسبعين ، قيل توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يبلغ الحلم .

                                      ( أما أحكام الفصل ) ففيه مسائل ( إحداها ) يستحب أن يؤذن على طهارة فإن أذن وهو محدث أو جنب أو أقام الصلاة وهو محدث أو جنب صح أذانه وإقامته لكنه مكروه ، نص على كراهته الشافعي والأصحاب ، واتفقوا عليها ، ودليلنا ما ذكره المصنف مع ما سنذكره إن شاء الله تعالى . قالوا : والكراهة في الجنب أشد منها في المحدث ، وفي الإقامة أغلظ . قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : ولو ابتدأ في الأذان طاهرا ثم انتقضت طهارته بنى على أذانه ولم يقطعه ، سواء كان حدثه جنابة أو غيرها . قال ولو قطعه وتطهر ثم رجع بنى على أذانه ، ولو استأنف كان أحب إلي . هذا نصه : وتابعه الأصحاب .

                                      قالوا : وإنما استحب إتمامه ، ولا يقطعه ، لئلا يظن أنه متلاعب . وإنما يصح البناء إذا لم يطل الفصل طولا فاحشا ، وإن طال طولا غير فاحش ففي صحة البناء طريقان حكاهما صاحب البيان وآخرون : ( أحدهما ) يصح البناء قولا واحدا ، وبه قطع الشيخ أبو حامد وآخرون ( والثاني ) فيه قولان ، قال أصحابنا : وإذا أذن أو أقام وهو جنب في المسجد أثم بلبثه في المسجد ، وصح أذانه وإقامته ; لأن المراد حصول الإعلام وقد حصل ، والتحريم لمعنى آخر وهو حرمة المسجد . وقال صاحب البيان وغيره : وكذا لو أذن الجنب في رحبة المسجد يأثم ويصح أذانه . قال : والرحبة كالمسجد في التحريم على الجنب ، قال صاحب الحاوي وغيره : ولو أذن مكشوف العورة أثم وأجزأه . ( فرع ) في مذاهب العلماء في الأذان بغير طهارة . قد ذكرنا أن مذهبنا أن أذان الجنب والمحدث وإقامتهما صحيحان مع الكراهة وبه قال الحسن البصري وقتادة وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة [ ص: 114 ] والثوري وأحمد وأبو ثور وداود وابن المنذر وقالت طائفة : لا يصح أذانه ولا إقامته ، منهم عطاء ومجاهد والأوزاعي وإسحاق وقال مالك يصح الأذان ولا يقيم إلا متوضئا ، وأصح ما يحتج به في المسألة حديث المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه قال { أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد علي حتى توضأ ، ثم اعتذر إلي فقال : إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ، أو قال على طهارة } حديث صحيح رواه أحمد بن حنبل وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة . وعن الزهري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا يؤذن إلا متوضئ } رواه الترمذي ، هكذا قال ، والأصح أنه عن الزهري عن أبي هريرة موقوف عليه وهو منقطع ، فإن الزهري لم يدرك أبا هريرة .



                                      ( المسألة الثانية ) يستحب أن يؤذن على موضع عال من منارة أو غيرها وهذا لا خلاف فيه ، واحتج له الأصحاب بما ذكر المصنف وبحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : { كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم . } قال : ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا " رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر وعائشة ، وهذا لفظ مسلم وعن عروة بن الزبير عن امرأة من بني النجار قالت " كان بيتي أطول بيت حول المسجد ، فكان بلال يؤذن عليه الفجر " رواه أبو داود بإسناد ضعيف . قال المحاملي في المجموع وصاحب التهذيب : ولا يستحب في الإقامة أن تكون على موضع عال وهذا الذي قالاه محمول على ما إذا لم يكن مسجد كبير تدعو الحاجة فيه إلى العلو للإعلام .



                                      ( الثالثة ) السنة أن يؤذن قائما مستقبل القبلة لما ذكره المصنف فلو أذن قاعدا أو مضطجعا أو إلى غير القبلة كره وصح أذانه ; لأن المقصود الإعلام وقد حصل ، هكذا صرح به الجمهور وقطع به العراقيون وأكثر الخراسانيين وهو المنصوص ، وذكر جماعات من الخراسانيين في اشتراط القيام واستقبال القبلة في حال القدرة وجهين . وحكى القاضي حسين وجها أنه يصح أذان القاعد دون المضطجع ، والمذهب صحة الجميع ، ومما يستدل له حديث يعلى [ ص: 115 ] بن مرة الصحابي رضي الله عنه { أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير فانتهوا إلى مضيق وحضرت الصلاة فمطرت السماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم ، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته وأقام فتقدم على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع } رواه الترمذي بإسناد جيد ، وهذه الصلاة كانت فريضة ، ولهذا أذن لها وصلاها على الدابة للعذر ، ويجب إعادتها . وأما حديث زياد بن الحارث قال : { أذنت مع النبي صلى الله عليه وسلم للصبح وأنا على راحلتي } فضعيف والله أعلم .



                                      والسنة أن يلتفت في الحيعلتين يمينا وشمالا ولا يستدير لما ذكره المصنف وفي كيفية الالتفات المستحب ثلاثة أوجه ( أصحها ) وبه قطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين أنه يلتفت عن يمينه فيقول : " حي على الصلاة حي على الصلاة " ثم يلتفت عن يساره فيقول " حي على الفلاح حي على الفلاح " ( والثاني ) أنه يلتفت عن يمينه فيقول : " حي على الصلاة " ثم يعود إلى القبلة ثم يلتفت عن يمينه فيقول " حي على الصلاة " ثم يلتفت عن يساره فيقول " حي على الفلاح " ثم يعود إلى القبلة ثم يلتفت عن يساره فيقول : " حي على الفلاح " ( والثالث ) وهو قول القفال يقول : " حي على الصلاة " مرة عن يمينه ومرة عن يساره ، ثم " حي على الفلاح " مرة عن يمينه ومرة عن يساره .

                                      قال القاضي أبو الطيب وغيره : فإن قيل : استحببتم التفات المؤذن في الحيعلتين وكرهتم التفات الخطيب في شيء من الخطبة فما الفرق ؟ قلنا : الخطيب واعظ للحاضرين فالأدب أن لا يعرض عنهم ، بخلاف المؤذن فإنه داع للغائبين ، فإذا التفت كان أبلغ في دعائهم وإعلامهم ، وليس فيه ترك أدب . قال أصحابنا : والمراد بالالتفات أن يلوي رأسه وعنقه ولا يحول صدره عن القبلة ولا يزيل قدمه عن مكانها . وهذا معنى قول المصنف ولا يستدير ، ودليله الحديث المذكور والمحافظة على جهة القبلة ، وهذا الذي ذكرناه من أنه لا يستدير في المنارة وغيرها هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور . وقال صاحب الحاوي : إن كان بلدا صغيرا وعددا قليلا لم يستدر ، وإن [ ص: 116 ] كان كبيرا ففي جواز الاستدارة وجهان ، وهما في موضع الحيعلتين ولا يستدير في غيره وهذا غريب ضعيف ، والسنة في إقامة الصلاة أن يكون مستقبل القبلة وقائما كما ذكرنا في الأذان ، فإن ترك الاستقبال والقيام فيها فهو كتركه في الأذان ، وهل يستحب الالتفات في الإقامة ؟ فيه ثلاثة أوجه أصحها : يستحب ، ونقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب عليه قال : وحكى بعض المصنفين ، يعني الفوراني صاحب الإبانة عن القفال أنه قال مرة : لا يستحب .

                                      قال الإمام : وهذا غير صحيح ، والوجه الثاني : لا يستحب ، ورجحه البغوي ; لأن الإقامة للحاضرين فلا حاجة إلى الالتفات . والثالث : لا يلتفت إلا أن يكبر المسجد ، وبه قطع المتولي قال أصحابنا : وإذا شرع في الإقامة في موضع تممها فيه ولا يمشي في أثنائها . ( فرع ) في مذاهب العلماء في الالتفاتات في الحيعلتين والاستدارة . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب الالتفات في الحيعلة يمينا وشمالا ولا يدور ولا يستدبر القبلة ، سواء كان على الأرض أو على منارة ، وبه قال النخعي والثوري والأوزاعي وأبو ثور وهو رواية عن أحمد وقال ابن سيرين يكره الالتفات وقال مالك لا يدور ولا يلتفت إلا أن يريد إسماع الناس . وقال أبو حنيفة وإسحاق وأحمد في رواية : يلتفت ولا يدور إلا أن يكون على منارة فيدور ، واحتج لمن قال يدور بحديث الحجاج بن أرطاة عن عون بن أبي جحيفة عن أبي جحيفة قال : { رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح فخرج بلال فأذن فاستدار في أذانه } فرواه ابن ماجه والبيهقي . واحتج أصحابنا بالحديث الصحيح السابق من رواية أبي داود أنه لم يستدر ، وأما حديث الحجاج فجوابه من أوجه ، أحدها أنه ضعيف ; لأن الحجاج ضعيف ومدلس ، والضعيف لا يحتج به ، والمدلس إذا قال : " عن " لا يحتج به ولو كان عدلا ضابطا . ( والجواب الثاني ) أنه مخالف لرواية الثقات عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه فوجب رده . ( الثالث ) أن الاستدارة تحمل على الالتفات جمعا بين الروايات ، وقد روي عن غير جهة الحجاج بن أرطاة بطريق ضعيف بين البيهقي ضعفه .



                                      [ ص: 117 ] الرابعة ) السنة أن يجعل أصبعيه في صماخي أذنيه لما ذكره المصنف وهذا متفق عليه ونقله المحاملي في المجموع عن عامة أهل العلم قال أصحابنا : وفيه فائدة أخرى وهي أنه ربما لم يسمع إنسان صوته لصمم أو بعد أو غيرهما فيستدل بأصبعيه على أذانه ، فإن كان في إحدى يديه علة تمنعه من ذلك جعل الأصبع الأخرى في صماخه ولا يستحب وضع الأصبع في الأذن في الإقامة . صرح به الروياني في الحلية وغيره والله أعلم .



                                      ( فرع ) لو أذن راكبا وأقام الصلاة راكبا أجزأه ولا كراهة فيه إن كان مسافرا ، فإن كان غير مسافر كره ، والإقامة أشد كراهة ، والأولى أن يقيمها المسافر بعد نزوله ; لأنه لا بد من نزوله للفريضة ، هكذا قاله الأصحاب . ولو أذن إنسان ماشيا ، قال صاحب الحاوي : إن انتهى في آخر أذانه إلى حيث لا يسمعه من كان في موضع ابتدائه لم يجزه ، وإن كان يسمعه أجزأه . هذا كلامه ، وفيه نظر ، ويحتمل أن يجزئه في الحالين .




                                      الخدمات العلمية