الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وممن توفي فيها من الأعيان :

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ابن الجصاص الجوهري

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الحسين بن عبد الله بن الجصاص الجوهري أبو عبد الله البغدادي
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ، كان ذا مال عظيم وثروة متسعة جدا ، وكان أصل نعمته من بيت أحمد بن طولون كان قد جعله جوهريا له يتسوق له ما يقع من نفائس [ ص: 28 ] الجواهر بمصر ، فاكتسب بسبب ذلك أموالا جزيلة جدا .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن الجصاص : كنت يوما بباب ابن طولون إذ خرجت القهرمانة ، وبيدها عقد فيه مائة حبة من الجوهر ، تساوي كل واحدة ألف دينار ، فقالت : أريد أن تأخذ هذا فتخرطه حتى يكون أصغر من هذا الحجم ، فإن هذا نافر على ما يريدونه . فأخذته منها ، وذهبت به إلى المنزل وحصلت جواهر أصغر منها تساوي أقل من عشر قيمة تلك الجواهر بكثير ، فدفعتها إليها ، وفزت أنا بذلك الذي جاءت به ، فكانت قيمته مائتي ألف دينار . وقد اتفق أنه صودر في زمان المقتدر مصادرة عظيمة ، أخذ منه ما يقاوم ستة عشر ألف ألف دينار ، وبقي معه من الأموال شيء كثير جدا .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال بعضهم : دخلت عليه وهو يتردد في منزله كأنه مجنون ، فقلت له : ما لك ؟! فقال : ويحك ! أخذ مني كذا وكذا ، فأنا أحس أن روحي ستخرج . فعذرته ثم أخذت في تسليته فقلت له : إن دارك وبساتينك وضياعك الباقية لك تساوي سبعمائة ألف دينار ، واصدقني كم بقي عندك من الجواهر والمتاع ، فإذا هو يساوي ثلاثمائة ألف دينار ، فقلت : إن هذا أمر لا يشاركك فيه أحد من التجار ببغداد ، مع ما لك من الوجاهة عند الدولة والناس . قال : فسري عنه ، وتسلى عما كان عليه وأكل ، وكان له ثلاثة أيام لم يأكل شيئا ، ولما خلص من مصادرة المقتدر بشفاعة أمه السيدة فيه ، حكى عن نفسه ، قال : نظرت في دار الخلافة إلى مائة خيشة ، فيها متاع رث مما حمل إلي من مصر ، وهو عندهم بدار [ ص: 29 ] مضيعة ، وكان لي في كل حمل ألف دينار موضوعة فيه من مصر لا يشعر بها أحد ، فاستوهبت ذلك من أم المقتدر ، فكلمت في ذلك ولدها ، فأطلقه لي فتسلمته ، فإذا الذهب لم ينقص منه شيء .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقد كان مع ذلك مغفلا شديد التغفل في كلامه وأفعاله ، وقد ذكر عنه أشياء تدل على ذلك ، وقيل : إنه إنما كان يفعل ذلك ليظهر أنه مغفل . وقيل : إنه كان يقول ذلك على سبيل البسط والدعابة . والله تعالى أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية