الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة الروم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 164 ] بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الروم

قوله تعالى : وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون .

قوله تعالى : وعد الله ، مصدر مؤكد لنفسه ، لأن قوله قبله : وهم من بعد غلبهم سيغلبون إلى قوله : ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله [ 30 \ 3 - 5 ] ، هو نفس الوعد كما لا يخفى ، أي : وعد الله ذلك وعدا .

وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أربعة أمور : الأول : أنه لا يخلف وعده .

والثاني : أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون .

والثالث : أنهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا .

والرابع : أنهم غافلون عن الآخرة . وهذه الأمور الأربعة جاءت موضحة في غير هذا الموضع .

أما الأول منها : وهو كونه لا يخلف وعده ، فقد جاء في آيات كثيرة ; كقوله تعالى : إن الله لا يخلف الميعاد . [ 13 \ 31 ] وقد بين تعالى أن وعيده للكفار لا يخلف أيضا في آيات من كتابه ; كقوله تعالى : قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي الآية [ 50 \ 28 - 29 ] .

والتحقيق : أن القول الذي لا يبدل لديه في هذه الآية الكريمة هو وعيده للكفار .

وكقوله تعالى : كل كذب الرسل فحق وعيد [ 50 \ 14 ] ، وقوله : إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب [ 38 \ 14 ] ، فقوله : حق في هاتين الآيتين ، أي : وجب وثبت ، فلا يمكن تخلفه بحال .

[ ص: 165 ] وأما الثاني منها : وهو أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون ، فقد جاء موضحا في آيات كثيرة ، فقد بين تعالى في آيات أن أكثر الناس هم الكافرون ; كقوله تعالى : ولكن أكثر الناس لا يؤمنون [ 11 \ 17 ] ، وقوله تعالى : ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين [ 37 \ 71 ] ، وقوله تعالى : إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين [ 26 \ 8 ] ، وقوله تعالى : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك [ 6 \ 116 ] ، وقوله تعالى : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين [ 12 \ 103 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقد بين جل وعلا أيضا في آيات من كتابه أن الكفار لا يعلمون ; كقوله تعالى : أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [ 2 \ 170 ] ، وقوله تعالى : أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [ 5 \ 104 ] ، وقوله تعالى : ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون [ 2 \ 171 ] ، وقوله تعالى : أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا [ 25 \ 44 ] ، وقوله تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون [ 7 \ 179 ] ، وقوله تعالى : وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [ 67 \ 10 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وأما الثالث منها : وهو كونهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ، فقد جاء أيضا في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى : وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين [ 29 \ 38 ] ، أي : في الدنيا ، وقوله تعالى : فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم الآية [ 53 \ 29 - 30 ] .

وأما الرابع منها : وهو كونهم غافلين عن الآخرة ، فقد جاء في آيات كثيرة ; كقوله تعالى عنهم : هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا الآية [ 23 \ 36 - 37 ] .

وقوله تعالى عنهم : وما نحن بمنشرين [ 44 \ 35 ] ، وما نحن بمبعوثين [ 6 \ 29 ] ، من يحيي العظام وهي رميم [ 36 \ 78 ] ، والآيات في ذلك كثيرة معلومة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث