الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وعن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تلقوا الركبان للبيع ولا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لباد ولا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر وللبيهقي في المعرفة من طريق الشافعي لا تصروا الإبل والغنم للبيع .

التالي السابق


(الرابعة والثلاثون) وفيه أن بيع المصراة صحيح ؛ لقوله (إن رضيها أمسكها) وهو مجمع عليه، وأنه يثبت للمشتري الخيار إذا علم التصرية وبه قال الجمهور وقال أبو حنيفة لا يردها بعد أن يحلبها، وإنما يرجع بنقصان العيب.

(الخامسة والثلاثون) (إن قلت) قوله بعد أن يحلبها يقتضي أنه لا يثبت الخيار إلا بعد الحلب مع أنه ثابت قبله إذا علم التصرية (قلت) قال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة جوابه أنه يقتضي إثبات الخيار في هذين الأمرين المعينين أعني الإمساك والرد مع الصاع وهذا إنما يكون بعد الحلب لتوقف هذين المعينين على الحلب ؛ لأن الصاع عوض عن اللبن ومن ضرورة ذلك الحلب. انتهى.

(قلت) وقد يجاب عنه بأن التصرية لا تعرف غالبا إلا بالحلب ؛ لأنه إذا حلب أولا لبنا غزيرا ثم حلب ثانيا لبنا قليلا عرف حينئذ ذلك فعبر بالحلب عن معرفة التصرية ؛ لأنه ملازم له غالبا، والله أعلم.

(السادسة والثلاثون) ظاهر قوله (وإن سخطها ردها) أن الرد يكون على الفور لكن تقدم أن في بعض طرقه فهو بالخيار ثلاثة أيام، وهو مقدم على إطلاق هذه الرواية وقد اختلف أصحابنا في ذلك على وجهين:

(أحدهما) أنه على الفور كسائر العيوب صححه البغوي والرافعي والنووي . (والثاني) أنه يمتد ثلاثة أيام لتلك الرواية صوبه الشيخ تقي الدين في شرح العمدة وهو الصحيح فقد حكاه القاضي أبو الطيب عن نص الشافعي في اختلاف العراقيين وحكاه الروياني عن نصه في الإملاء وقال ابن المنذر إنه مذهب الشافعي وذهب إليه من أصحابه أبو حامد المروزي وأبو القاسم الصيمري والماوردي والغزالي والجوري والفوراني كما حكاه شيخنا [ ص: 79 ] الإمام جمال الدين الإسنوي في المهمات وهو مذهب الحنابلة .

وأجاب الأولون عن هذه الرواية بحملها على ما إذا لم يعلم أنها مصراة إلا في ثلاثة أيام ؛ لأن الغالب أنه لا يعلم فيما دون ذلك فإنه إذا نقص لبنها في اليوم الثاني عن الأول احتمل كون النقص لعارض من سوء مرعاها في ذلك اليوم أو غير ذلك فإذا استمر كذلك ثلاثة أيام علم أنها مصراة.

(السابعة والثلاثون) القائلون بامتداد الخيار ثلاثة أيام اختلفوا في ابتدائها وللشافعية في ذلك وجهان:

(أحدهما) أن ابتداءها من العقد. .

(والثاني) أنه من التفرق وشبهوا الوجهين بالوجهين في خيار الشرط، ومقتضى ذلك أن الراجح أن ابتداءها من العقد وقال الحنابلة : إن ابتداءها من حين تبينت التصرية.

(الثامنة والثلاثون) ورتب الشافعية على القول بامتداد الخيار ثلاثة أيام فروعا. (منها) لو عرف التصرية قبل ثلاثة أيام امتد الخيار إلى آخر الثلاثة فقط.

(ومنها) أنه لو عرف التصرية في آخر الثلاثة أو بعدها فلا خيار على القول بأن مدته ثلاثة أيام لامتناع مجاوزة الثلاثة.

(ومنها) أنه لو اشترى عالما بالتصرية ثبت له الخيار ثلاثة أيام.

وأما على القول بأنه على الفور فلا يختلف الحكم في الفرعين الأولين ولا خيار في الثالث كسائر العيوب وفيما ذكره أصحابنا في هذه الفروع نظر والظاهر أن الشارع إنما اعتبر المدة من حين معرفة سبب الخيار، وإلا كان يلزم أن يكون الفور متصلا بالعقد، ولو لم يعلم به لخيف أنه إذا تأخر علمه به عن العقد فات الخيار وهذا لا يمكن القول به.

ويلزم على ما ذكروه أن يكون الفور أوسع من الثلاث في الفرع الثاني وهو بعيد ويلزم عليه أيضا أن تحسب المدة قبل التمكن من الفسخ، وذلك يفوت مقصود التوسع بالمدة ويؤدي إلى نقصانها فيما إذا لم يعلم به إلا بعد مضي بعضها وهذا مما يقوي مذهب الحنابلة في ذلك وهو عندي أظهر، وأوفق للحديث وللمعنى والله أعلم.

(التاسعة والثلاثون) ظاهره أنه لا خيار فيما إذا لم يقصد البائع التصرية بل ترك الحلب ناسيا أو لشغل عرض له أو تصرت هي بنفسها ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نهي عن التصرية ؛ لأجل البيع ثم ذكر أن من اشترى ما هو بهذه الصفة تخير وهذه الصور المذكورة لم يقع فيها تصرية لأجل البيع [ ص: 80 ] وبهذا جزم الغزالي وتبعه عبد الغفار القزويني في الحاوي الصغير وحكى البغوي فيها وجهين وصح ثبوت الخيار لحصول الضرر للمشتري، وإن لم يقصد البائع التدليس .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث