الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 183 ] باب ما جاء في جواز تأخيرهما على غسل الوجه واليدين

                                                                                                                                            172 - ( عن المقدام بن معدي كرب قال { : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثا ، وغسل وجهه ثلاثا ، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا ثم مضمض واستنشق ثلاثا ثلاثا ، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما . } رواه أبو داود وأحمد وزاد ، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا ) .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الحديث إسناده صالح ، وقد أخرجه الضياء في المختارة وهو يدل على عدم وجوب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين . وحديث عثمان وعبد الله بن زيد الثابتان في الصحيحين وحديث علي الثابت عند أبي داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبزار وغيرهم مصرحة بتقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه واليدين .

                                                                                                                                            والحديث من أدلة القائلين بعدم وجوب الترتيب ، وقد سبق ذكرهم في شرح حديث عثمان . وحديث الربيع الآتي بعد هذا يدل على وجوب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه . قال النووي : إنهم يتأولون هذه الرواية على أن لفظة ثم ليست للترتيب بل لعطف جملة على جملة . وقد ذكر الفاضل الشلبي في صدر حواشيه على شرح المواقف أن المحققين من النحاة نصوا على أنه وجوب دلالة ثم على التراخي مخصوص بعطف المفرد ، وقد ذكره أيضا في حواشي المطول .

                                                                                                                                            وقد ذكر الرضي في شرح الكافيه ، وابن هشام في المغني أنها قد تأتي لمجرد الترتيب فظهر بهذا أنها مشتركة بين المعنيين لا أنها حقيقة في الترتيب ولكن لا يخفى عليك أن هذا التأويل وإن نفع القائل بوجوب الترتيب في حديث الباب وما بعده فهو يجري في دليله الذي عارض به حديثي الباب أعني حديث عثمان وعبد الله بن زيد وعلي ، فلا يدل على تقديم المضمضة والاستنشاق كما لا يدل هذا على تأخيرهما ، فدعوى وجوب الترتيب لا تتم إلا بإبراز دليل عليها يتعين المصير إليه ، وقد عرفناك في شرح حديث عثمان عدم انتهاض ما جاء به مدعي وجوب الترتيب على المطلوب ، نعم حديث جابر عند النسائي في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم { : ابدءوا بما بدأ الله به } بلفظ الأمر وهو عند مسلم بلفظ الخبر يصلح للاحتجاج به على وجوب الترتيب لأنه عام لا يقصر على سببه عند الجمهور كما تقرر في الأصول . وآية الوضوء مندرجة تحت ذلك العموم . [ ص: 184 ]

                                                                                                                                            173 - وعن العباس بن يزيد عن سفيان بن عيينة عن { عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ ابن عفراء قال : أتيتها فأخرجت إلي إناء ، فقالت : في هذا كنت أخرج الوضوء لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما ثلاثا ، ثم يتوضأ فيغسل وجهه ثلاثا ، ثم يمضمض ويستنشق ثلاثا ، ثم يغسل يديه ، ثم يمسح برأسه مقبلا ومدبرا ، ثم يغسل رجليه } . قال العباس بن يزيد هذه المرأة التي حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه بدأ بالوجه قبل المضمضة والاستنشاق } وقد حدث به أهل بدر منهم عثمان وعلي أنه بدأ بالمضمضة والاستنشاق قبل الوجه والناس عليه ، رواه الدارقطني . الحديث رواه الدارقطني عن شيخه إبراهيم بن حماد عن العباس المذكور ، وأخرجه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وله عنها طرق وألفاظ مدارها على عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه مقال ، وهو يدل على عدم وجوب الترتيب بين المضمضة وغسل الوجه ، وقد عرفت في الحديث الذي قبله ما هو الحق .




                                                                                                                                            الخدمات العلمية