الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الإيمان قول وعمل


اعلم بأن الدين قول وعمل فاحفظه وافهم ما عليه ذا اشتمل

( اعلم ) يا أخي وفقني الله وإياك والمسلمين ( بأن الدين ) الذي بعث الله به رسله ، وأنزل به كتبه ، ورضيه لأهل سماواته وأرضه وأمر أن لا يعبد إلا به ، ولا يقبل من أحد سواه ، ولا يرغب عنه إلا من سفه نفسه ، ولا أحسن دينا ممن [ ص: 588 ] التزمه واتبعه هو ( قول ) أي بالقلب واللسان ( وعمل ) أي بالقلب واللسان والجوارح . فهذه أربعة أشياء جامعة لأمور دين الإسلام :

الأول : قول القلب وهو تصديقه وإيقانه ، قال الله تعالى : ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ) ( الزمر : 33 - 34 ) وقال تعالى : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) ( الأنعام : 75 ) وقال تعالى : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ) ( الحجرات : 15 ) . صدقوا ثم لم يشكوا . وفي حديث الدرجات العلى : " بلى والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " . وقال تعالى : ( الذين يؤمنون بالغيب ) ( البقرة : 3 ) وقال تعالى : ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم ) ( البقرة : 136 ) الآيات . وقال تعالى : ( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ) ( الشورى : 15 ) . وغير ذلك من الآيات .

وفي حديث الشفاعة : " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة " الحديث .

وفي الحديث الآخر : " فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان ، ثم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، ثم من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان " .

[ ص: 589 ] وقال تعالى في المكذبين : ( أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) ( يس : 10 ) وقال تعالى في المرتابين الشاكين : ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) ( آل عمران : 167 ) وقال فيهم : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) ( المائدة : 41 ) وقال تعالى فيهم : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) ( المنافقون : 1 ) أي في قولهم نشهد ; أي كذبوا ، إنهم لا يشهدون بذلك بقلوبهم ، إنما هو بألسنتهم تقية ونفاقا ومخادعة .

الثاني : قول اللسان وهو النطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والإقرار بلوازمها . قال الله : ( وقولوا آمنا ) ( البقرة : 136 ) . ( وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق ) ( القصص : 53 ) . ( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ) ( الشورى : 15 ) ، وقال تعالى : ( إلا من شهد بالحق ) ( الزخرف : 86 ) ، ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ( الأحقاف : 13 ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " وما في معناه مما سنذكر وما لا نذكر .

الثالث : عمل القلب ، وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد والإقبال على الله عز وجل والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه ، قال الله تعالى : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) ( الأنعام : 52 ) ، ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) ( الليل : 20 ) ، ( إنما نطعمكم لوجه الله ) ( الإنسان : 9 ) ، ( الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) ( الحج : 35 ) ، ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) ( المؤمنون : 60 ) ، ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) [ ص: 590 ] ( الزمر : 23 ) ، ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ( الرعد : 28 ) ، وقال تعالى : ( ألا لله الدين الخالص ) ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ( قل الله أعبد مخلصا له ديني ) .

وقال تعالى : ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) ( يحبهم ويحبونه ) ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ) . وقال تعالى : ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ) ( النساء : 125 ) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ) ( لقمان : 22 ) ( فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين ) ( الحج : 34 ) ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ( النساء : 65 ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " .

وقال صلى الله عليه وسلم : " قال الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه " .

وقد تقدم جملة من نصوص الإخلاص في الكلام على لا إله إلا الله ، وتقدم هناك بيانه وما ينافيه من الشرك الأكبر وما ينافي كماله من الشرك الأصغر ، وقال صلى الله عليه وسلم : " أحبوا الله من كل قلوبكم " [ ص: 591 ] وقال صلى الله عليه وسلم : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " الحديث . وقال : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " .

وكان صلى الله عليه وسلم يقول : " اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربني إلى حبك " .

وقال صلى الله عليه وسلم : " اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين " .

وقال صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " . وهذا غاية الانقياد إذا لم يكن له هوى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم . وقد تقدمت النصوص في التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع وغير ذلك من أعمال القلوب .

الرابع : عمل اللسان والجوارح ، فعمل اللسان ما لا يؤدى إلا به ، كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك ، وعمل الجوارح مما لا يؤدى إلا بها ، مثل القيام والركوع والسجود ، والمشي في مرضاة الله كنقل الخطا إلى المسجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما يشمله حديث [ ص: 592 ] شعب الإيمان . قال الله تعالى : ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ) ( الرعد : 22 ) الآيات .

وقال تعالى : ( واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ) ( الكهف : 27 ) وقال تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا ) ( الأحزاب : 41 ) وقال تعالى : ( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ) ( الأعراف : 205 ) الآيات . وقال تعالى : ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ) ( الإسراء : 111 ) وقال تعالى : ( والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ) ( الكهف : 46 ) وهي : " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " .

وقال تعالى : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) ( الأعراف : 55 ) الآيات . وقال تعالى : ( واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) ( المزمل : 20 ) وقال تعالى : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) ( آل عمران : 191 ) الآيات . وقال تعالى : ( وقوموا لله قانتين ) ( البقرة : 238 ) وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده ) ( الحج : 77 - 78 ) الآيات .

وقال تعالى : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ) ( الفرقان : 63 - 64 ) الآيات . وقال تعالى : ( أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) ( الزمر : 9 ) وقال تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين ) [ ص: 593 ] ( التوبة : 111 - 112 ) .

والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها ، وإنما المقصود تقرير هذه الأمور من أصول الدين ، فإذا حققت هذه الأمور الأربعة تحقيقا بالغا وعرفت ما يراد بها معرفة تامة وفهمت فهما واضحا ثم أمعنت النظر في أضدادها ونواقضها تبين لك أنواع الكفر لا تخرج عن أربعة :

كفر جهل وتكذيب .

وكفر جحود .

وكفر عناد واستكبار .

وكفر نفاق .

فأحدها يخرج من الملة بالكلية ، وإن اجتمعت في شخص فظلمات بعضها فوق بعض والعياذ بالله من ذلك ; لأنها إما أن تنتفي هذه الأمور كلها - قول القلب وعمله وقول اللسان وعمل الجوارح - أو ينتفي بعضها ، فإن انتفت كلها اجتمع أنواع الكفر غير النفاق ، قال الله تعالى : ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ) ( البقرة : 6 - 7 ) .

وإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق فكفر الجهل والتكذيب ، قال الله تعالى : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ) ( يونس : 39 ) وقال تعالى : ( أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أم ماذا كنتم تعملون ) ( النمل : 84 ) . وإن كتم الحق مع العلم بصدقه فكفر الجحود والكتمان ، قال الله تعالى : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) ( النمل : 14 ) وقال تعالى : ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) [ ص: 594 ] ( البقرة : 89 ) وقال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) ( البقرة : 146 - 147 ) .

وإن انتفى عمل القلب من النية والإخلاص والمحبة والإذعان مع انقياد الجوارح الظاهرة فكفر نفاق سواء وجد التصديق المطلق أو انتفى ، وسواء انتفى بتكذيب أو شك ، قال الله تعالى : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) - إلى قوله - ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ) ( البقرة : 8 - 20 ) .

وإن انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار ، ككفر إبليس وكفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه ، أمثال حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وغيرهم ، وكفر من ترك الصلاة عنادا واستكبارا ، ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب " .

ومن هنا يتبين لك أن من قال من أهل السنة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرا وباطنا بلا شك ، لم يعنوا مجرد التصديق ، فإن إبليس لم يكذب في أمر الله تعالى له بالسجود وإنما أبى عن الانقياد كفرا واستكبارا ، واليهود كانوا يعتقدون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتبعوه ، وفرعون كان يعتقد صدق موسى ولم ينقد بل جحد بآيات الله ظلما وعلوا ، فأين هذا من تصديق من قال الله تعالى فيه : ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ) ( الزمر : 33 ) الآيات . وأين تصديق من قال الله تعالى فيهم : ( قالوا سمعنا وعصينا ) ( قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ) [ ص: 595 ] ( البقرة : 76 ) من تصديق من قالوا ( سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) ( البقرة : 285 ) والله الموفق .


كفاك ما قد قاله الرسول     إذ جاءه يسأله جبريل
على مراتب ثلاث فصله     جاءت على جميعه مشتمله
الإسلام والإيمان والإحسان     والكل مبني على أركان

.

( كفاك ) أيها الطالب الحق ( ما قد قال الرسول ) محمد صلى الله عليه وسلم ( إذ ) حين جاءه يسأله عن مراتب الدين وشرائعه ( جبريل ) عليه السلام كما في الأحاديث السابقة عن جماعة من الصحابة ( على مراتب ثلاث فصله ) في تلك الأجوبة الصريحة ، ( جاءت ) أي الثلاث المراتب ( على جميعه ) أي على جميع الدين ( مشتمله ) ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأمور " الدين " فقال : " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث