الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) .

ختم الله تعالى هذه السورة بهاتين الآيتين اللتين قال أبي بن كعب - رضي الله عنه - : إنهما آخر ما نزل . وبينا في الكلام على السورة قبل الشروع في تفسيرها ما يعارضه ، وسنحقق المسألة بعد الفراغ من تفسير الآيتين .

[ ص: 71 ] ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) جمهور المفسرين على أن الخطاب هنا للعرب فهو في معنى قوله : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) ( 62 : 2 ) فالمنة به - صلى الله عليه وسلم - على قومه أعظم ، والحجة عليهم به وبكتابه أنهض ، وأخص قومه به قبيلته قريش ، فعشيرته الأقربون بنو هاشم وبنو المطلب ، ولو لم يؤمن به وبكتابه العرب لما آمن العجم ، وهو مبعوث إلى جميع الناس كما تقدم في قوله : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) ( 7 : 158 ) ولكنه وجه دعوته إلى الأقرب فالأقرب على القاعدة التي بيناها آنفا في قتال الأقرب فالأقرب ، فالعرب آمنوا بدعوته مباشرة ، والعجم آمنوا بدعوة العرب ، العرب آمنوا بفهم القرآن وبيانه - صلى الله عليه وسلم - له بالتبليغ والعمل ، وبما شاهدوا من آيات الله تعالى في شخصه ، والعجم آمنوا بدعوة العرب وما شاهدوا من عدلهم وفضائلهم ، ثم بدعوة بعضهم لبعض بعد انتشار الإسلام فيهم .

وقال الزجاج : إن الخطاب للعالم كله لعموم بعثته ، فيكون بمعنى ما يأتي في أول السورة التالية ( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ) ( 10 : 2 ) إلخ ، ولكن آية أول سورة يونس هذه في الرد على منكري كون البشر رسولا من الله وهو المحكي عن جميع كفار الأمم ، وآية آخر سورة براءة في امتنان الله عز وجل على من أرسل إليهم الرسول من أنفسهم وصميم قومهم ، لتأييد الحجة بالمنة ، والترغيب في إجابة الدعوة ، فإن من طبع كل قوم حب الاختصاص بالفضل والشرف على غيرهم ، كما قال تعالى في امتنانه عليه بالقرآن المجيد : ( وإنه لذكر لك ولقومك ) ( 43 : 44 ) أي شرف لك ولهم ، تذكرون به في العالم ، ويدون لكم في التواريخ ، وإنما قاومه وعانده أكابر قومه حتى من بني هاشم أنفة واستكبارا عن اتباعه وهم يرونه دونهم ، ولما يتضمن اتباعه من الإقرار بكفرهم وكفر آبائهم وأجدادهم الذين يفاخرون بهم ، مع عدم ثقتهم بفوزه وبأنهم ينالون باتباعه من مجد الدنيا فوق ما كانوا عليه بمسافات تطاول السماء رفعة وشرفا ، دع ما هو فوق مجد الدنيا من سعادة الآخرة ، ثم إنهم صاروا يفتخرون بكونه - صلى الله عليه وسلم - منهم ، بأكثر مما يبيحه دينه لهم ، حتى صار أقربهم يتكل على نسبه فيقصر في العلم والعمل ، وقد أكد تعالى هذه المنة الخاصة بوصفه هذا الرسول بقوله : ( عزيز عليه ما عنتم ) إلخ . العنت : المشقة ولقاء المكروه الشديد ، وقيده الراغب بما يخاف منه الهلاك ، وعز على فلان الأمر : ثقل واشتد عليه ، وقالوا : هو كناية عن الأنفة عنه ، و ( ( ما ) ) مصدرية - أي شديد على طبعه وشعوره القومي عنتكم لأنه منكم ، وهذا يشمل ما يكون في الدنيا وما يكون في الآخرة ، فلا يهون عليه أن يكونوا في دنياهم أمة ضعيفة ذليلة يعنتها أعداؤها بسيادتهم عليها وتحكمهم فيها ، ولا أن يكونوا في الآخرة من أصحاب النار ( حريص عليكم ) الحرص شدة الرغبة في الحصول على المفقود ، وشدة العناية [ ص: 72 ] بحفظ الموجود ، وكان - صلى الله عليه وسلم - حريصا على اهتداء قومه به بإيمان كافرهم وثبات مؤمنهم في دينه كما قال تعالى له : ( إن تحرص على هداهم ) ( 16 : 37 ) الآية وقال : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) ( 12 : 103 ) ( بالمؤمنين رءوف رحيم ) أي شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين ، فكل ما يدعوهم إليه من العمل بشرائع الله تعالى فهو دليل على ثبوت هذه الصفات الكاملة والعواطف السامية له - صلى الله عليه وسلم - بنص الله تعالى ، وهو أرحم بالمؤمنين وأرأف ، وكل شاق منها كالجهاد فهو منجاة مما هو أشق منه ، ولا شيء من الشاق منها يبالغ حد العنت ، للقطع في هذا الدين بنفي العسر والحرج .

وصف الله تعالى رسوله بصفتين من صفاته العلى ، وسماه باسمين من أسمائه الحسنى ، بعد وصفه بوصفين هما أفضل نعوت الرؤساء والزعماء المدبرين لأمور الأمم بالحق والعدل والفضل ، وفي الصحاح والقاموس أن الرأفة أشد الرحمة . وجعلهما بعض اللغويين والمفسرين بمعنى واحد . وقال بعضهم : إن الرأفة أخص ، لا تكاد تقع في الكراهية ، والرحمة قد تقع في الكراهية للمصلحة ، واختار الرازي أنها مبالغة في رحمة مخصوصة من دفع المكروه وإزالة الضرر .

وقال أستاذنا : إنها لا تستعمل إلا في حق من وقع في بلاء ، اختيارا لقول الرازي ( ص 11 ج 2 ط الهيئة ) وأصح منه أنها تستعمل في مكان الضعف والشفقة والرقة كقولهم : رأف بولده وترأف به . وتقديمه على الرحيم هو الواجب كأنه قال : رءوف بضعفاء المؤمنين وأولي القربى منهم ، ورحيم بهم كلهم . وتخصيص رأفته ورحمته - صلى الله عليه وسلم - بالمؤمنين في مقابلة ما أمر به من الغلظة على الكفار والمنافقين - لا يعارض كون رسالته رحمة للعالمين ، كما هو ظاهر ، فإن هذه الرحمة مبذولة لجميع الأمم ، لعموم بعثته - صلى الله عليه وسلم - ولكن منهم من قبلها ومنهم من ردها ، وقد بينا في تفسير ( واغلظ عليهم ) ( 9 : 73 ) أنه إنما أمر بذلك صلوات الله تعالى عليه لأن الغالب على طبعه الشريف الرقة والرحمة والأدب في المقابلة والمعاشرة ، وقد قال تعالى : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) ( 3 : 159 ) .

وفي التفسير المأثور عن ابن عباس - رضي الله عنه - في الآية : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) قال ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي - صلى الله عليه وسلم - مضريها وربيعيها ويمانيها ، يعني أن نسبه متشعب في جميع قبائل العرب وبطونها . وعنه في ( عزيز عليه ما عنتم ) قال شديد عليه ما شق عليكم ( حريص عليكم ) أن يؤمن كفاركم .

ومن القراءة الشاذة في الآية قراءة ( ( أنفسكم ) ) بفتح الفاء من النفاسة ، رواها ابن مردويه من حديث علي مرفوعا ، وقرأ بها ابن عباس والزهري وابن محيصن ، ورويت عن الإمام جعفر الصادق عن أبيه الإمام محمد الباقر ، وهي خبر واحد لا يثبت بها القرآن ، وفيها أن المعهود في فصيح الكلام أن النفيس والأنفس مما يوصف به الأشياء لا الأشخاص .

[ ص: 73 ] ( فإن تولوا فقل حسبي الله ) هذا التفات عن خطاب أمة الرسول أو قومه الذين امتن الله تعالى عليهم بمجيئه رسولا إليهم من أنفسهم وبفضائله العائدة عليهم ، إلى خطابه - صلى الله عليه وسلم - وبيان ما يجب عليه في حال إعراضهم عن الاهتداء والانتفاع بما خاطبهم به ربهم في شأنه ، يقول : فإن تولوا وانصرفوا عن الإيمان بك والاهتداء بما جئتهم به ( فقل حسبي الله ) أي هو محسبي الذي يكفيني أمر توليهم وإعراضهم ، وما يعقبه من عداوتهم لي وصدهم عن سبيله وقد بلغت وما قصرت ( لا إله إلا هو ) أي لا معبود غيره ألجأ إليه بالدعاء والاستعانة كما يلجئون إلى آلهتهم المنتحلة ( عليه توكلت ) وحده ، فلا أكل أمري فيما أعجز عنه إلى غيره وكيف لا أخصه بالتوكل ( وهو رب العرش العظيم ) الذي هو مركز تدبير أمور الخلق كلها كما قال في الآية الثالثة من السورة التالية ، ( ثم استوى على العرش يدبر الأمر ) ( 10 : 3 ) قرأ جمهور القراء " ( العظيم ) " بالخفض على أنه صفة للعرش . وقرئ بالرفع على أنه صفة لرب ، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير ، وعظمة العرش بعظمة الرب الذي استوى عليه وعظمة الملك الكبير الذي هو مركز تدبيره ، ووحدة النظام فيه ، وعظمتهما في الملأ الأعلى وفيما دونه هي المظهر الوجودي لعظمة هذا الرب التي لا تحد ، ولا يدرك كنهها أحد ، ودليل على أنه الإله الحق الذي لا يصح أن يعبد غيره ولا يتوكل على سواه ، وكيف يعبد غيره بالدعاء أو غيره ، أو يتوكل على سواه من يعلم أنه هو الرب المالك للعالم كله والمدبر لأموره ، ويراجع هنا تفسير ( يا أيها النبي حسبك الله ) ( 8 : 64 ) ( في ص 63 وما بعدها ج 10 ط الهيئة )

وفسر بعضهم العرش هنا بالملك ( بالضم ) لأنه يطلق عليه تجوزا وهو خطأ منهم ; لأن هذا التجوز لا مسوغ له ، ولا يصح في كل الآيات التي ورد فيها اللفظ ، والمعنى الحقيقي أبلغ منه وأعم ، فإنه يدل على المعنى المجازي وزيادة ; إذ ليس لكل ملك في الأرض عرش حقيقي هو المركز الوحيد لتدبير كل شيء فيه ، فالعرش العظيم يدل على الملك العظيم وعلى وحدة النظام والتدبير فيه ، ولفظ الملك العظيم لا يدل على هذا ، لاحتمال وجود الخلل فيه ، وكون تدبيره ليس له مرجع وحدة تكفل النظام ، وتمنع الخلل والفساد ، ونظار المتكلمين ومفسروهم يتأولون العرش والاستواء عليه فرارا من التشبيه الذي يستلزمه بزعمهم المبني على قياس عالم الغيب على عالم الشهادة ، وقياس الخالق على المخلوق ، وهو قياس باطل بإجماعهم ، وقال ابن عباس سمي العرش عرشا لارتفاعه ، وفي الدر المنثور روايات في وصف العرش ومادته هي من الإسرائيليات لا يصح فيها شيء مرفوع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث