الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وجملة القول في هذا الباب أن سياسة الإسلام في المنافقين أن يعاملوا بحسب ظواهرهم وما يبدو من أعمالهم ، وأن للإمام الأعظم أو عليه - ومثله نوابه من أولياء الأمور - أن يعرض في الخطب العامة والتصريحات الرسمية بتقبيح ما يعلم من سوء أعمالهم والإنذار بسوء عواقبها ليعدهم للتوبة منها ، أو الحذر من إظهار ما يضمرونه من الشر الذي يترتب عليه العقاب .

وتتضمن هذه السياسة الأصول الآتية :

( الأصول الثلاثة في حرية الدين ، ومعاملة المنافقين )

1 - إن حرية الاعتقاد والوجدان مرعية لا سيطرة عليها للرؤساء الحاكمين ، ولا للمعلمين والمرشدين ، وإنما لهؤلاء حق في التربية والتعليم ، فليس لأحد أن يتهم إنسانا بإضمار الكفر ولا بنية الخيانة لملته أو دولته ، ولا بإرادة السوء لقومه وأمته ، ولا أن يعاقبه على ذلك بعقاب بدني ولا مالي ، ولا بحرمانه من الحقوق التي يتمتع بها غيره من أفراد الأمة .

2 - إنه ليس لمن يضمر الكفر بالله أو بما جاءت به رسله أن يكون فتنة للناس بإظهار ذلك لهم ودعوتهم إليه ، أو الطعن في عقائدهم ، أو إظهار ما ينافيها من قول أو عمل ، وإن لم يكن دعوة ولا طعنا ، فإن فعل ذلك وكان يدعي الإسلام يحكم بارتداده وخروجه من الملة ، إن كان ما أظهره من الكفر صريحا قطعيا مجمعا عليه لا يحتمل التأويل ، ويترتب عليه ما هو مقرر في الشرع من استتابته وعقابه إن لم يتب ( ومنه منع التوارث بينه وبين المسلمين وفسخ نكاحه بالمسلمات ، وعدم تشييع جنازته والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ) لأن حرية كل أحد في اعتقاده تقف عند حد حرية غيره . ولا سيما احترام عقائد الملة التي يعيش في ظل شريعتها ، وسائر شعائرها وعباداتها .

[ ص: 115 ] وليعلم القارئ أن كثيرا من الفقهاء قد أسرفوا في أبواب الردة في المسائل التي يحكم فيها بالكفر المخرج من الملة ، وبنوا كثيرا منه على اللوازم البعيدة ، والمحتملة للتأويلات القريبة ، وما ورد في صفات المنافقين في هذه السورة حجة عليهم ، وإن قال بعض العلماء المتقدمين : إن ما كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفاقا لا ينافي ظاهر الإسلام هو الآن كفر محض لا تقبل معه دعوى الإيمان ، فهذا قول باطل ، فكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - هما الحجة في الدين ، والاهتداء بهما هو الواجب إلى يوم الدين ، فيجب قبول قول كل من أظهر الإسلام ولم يصرح بما ينافيه بما لا يحتمل التأويل ، ومما يحتمل التأويل احتمالا ظاهرا جميع المباحث العلمية المخالفة لظواهر النصوص كما هو مقرر في الأصول .

3 - إن من ظهر منه شيء من أمارات النفاق العملي في الدين ، أو الخيانة للأمة والملة بما هو غير صريح ، مما لا يعاقب عليه في الشرع بحد ولا تعزير ، فلولي الأمر أن يعظه بالتعريض ، ثم بالتصريح والتكشيف ، وله أن يعاقبه بما يرجى أن يزعه عن غيه من التأديب ، كالحرمان من مظاهر التشريف ، أو الإزورار والتقطيب ، أو التأديب والتعنيف ، كما بيناه في تفسير ( جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) ( 9 : 73 ) ومنه حرمان النبي - صلى الله عليه وسلم - للذين تخلفوا عن غزوة تبوك من الخروج معه إلى غزوة أخرى بقول الله تعالى : ( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ) ( 9 : 83 ) الآية .

ولكن الملوك المستبدين يقربون إليهم المنافقين فيزيدونهم فسادا ، ويجرئون غيرهم بل يرغبونه في النفاق وخيانة الأمة جهارا ، حتى إن المناصب الدينية المحضة صارت تنال بالنفاق ، ويذاد عنها أهل الصدق والإخلاص ، وإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

( انتهى بيان ما فتح الله به علينا من خلاصة هذه السورة )

( وكتب في أوقات متقطعة في سنة عسرة شديدة )

( وتم في ذي الحجة سنة 1350 )

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث