الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم

                                                                                                                                                                                                [ ص: 306 ] نظير قوله : الله نور السماوات والأرض مع قوله : مثل نوره ، و يهدي الله لنوره : قولك : زيد كرم وجود ، ثم تقول : ينعش الناس بكرمه وجوده ، والمعنى : ذو نور السماوات ، وصاحب نور السماوات ، ونور السماوات والأرض الحق ، شبهه بالنور في ظهوره وبيانه ؛ كقوله تعالى : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة : 257 ] ، أي : من الباطل إلى الحق ، وأضاف النور إلى السماوات والأرض لأحد معنيين : إما للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض ، وإما أن يراد أهل السماوات والأرض وأنهم يستضيئون به ، مثل نوره أي : صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة "كمشكاة " : كصفة مشكاة وهي الكوة في الجدار غير النافذة ، فيها مصباح : سراج ضخم ثاقب ، في زجاجة : أراد قنديلا من زجاج شامي أزهر ، شبهه في زهرته بأحد الدراري من الكواكب وهي المشاهير ، كالمشتري والزهرة والمريخ وسهيل ونحوها ، "يوقد " : هذا المصباح ، من شجرة أي : ابتدأ ثقوبه من شجرة الزيتون ، يعني : زويت ذبالته بزيتها ، "مباركة " : كثيرة المنافع ، أو : لأنها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين ، وقيل : بارك فيها سبعون نبيا ، منهم إبراهيم -عليه السلام- وعن النبي -صلى الله عليه وسلم - : "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون ، فتداووا به ؛ فإنه مصحة من الباسور " ، لا شرقية ولا غربية أي : منبتها الشام ، وأجود الزيتون : زيتون الشام ، وقيل : لا غب مضحى [ ص: 307 ] ولا مقنأة ، ولكن الشمس والظل يتعاقبان عليها ، وذلك أجود لحملها وأصفى لدهنها ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - : "لا خير في شجرة في مقنأة ، ولا نبات في مقنأة ، ولا خير فيهما في مضحى " ، وقيل : ليست مما تطلع عليه الشمس وفي وقت شروقها أو غروبها فقط ، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعا ، فهي شرقية وغربية ، ثم وصف الزيت بالصفاء والوبيص ، وأنه لتلألئه ، "يكاد " : يضيء من غير نار ، نور على نور أي : هذا الذي شبهت به الحق نور متضاعف قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت ، حتى لم تبق مما يقوي النور ويزيده إشراقا ، ويمده بإضاءة بقية ؛ وذلك أن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أضوأ له وأجمع لنوره ، بخلاف المكان الواسع ؛ فإن الضوء ينبث فيه ، وينتشر ، والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة ، وكذلك الزيت وصفاؤه ، يهدي الله : لهذا النور الثاقب ، من يشاء : من عباده ، أي : يوفق لإصابة الحق من نظر وتدبر بعين عقله والإنصاف من نفسه ، ولم يذهب عن الجادة الموصلة إليه يمينا وشمالا ، ومن لم يتدبر ، فهو كالأعمى الذي سواء عليه جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس ، وعن علي -رضي الله عنه - : "الله نور السماوات والأرض " ، أي : نشر فيها الحق وبثه فأضاءت بنوره ، أو نور قلوب أهلها به ، وعن أبي بن كعب -رضي الله عنه - : مثل نور من آمن به ، وقرئ : "زجاجة الزجاجة " : بالفتح والكسر ، "ودري " : منسوب إلى الدر ، أي : أبيض متلألئ ، "ودريء " : بوزن سكيت : يدرأ الظلام بضوئه ، ودريء كمريق ، ودري كالسكينة ، عن أبي زيد ، وتوقد : بمعنى : تتوقد ، والفعل للزجاجة ، "ويوقد ، وتوقد " : بالتخفيف ، "ويوقده " : بالتشديد ، "ويوقد " : بحذف التاء وفتح الياء ؛ لاجتماع حرفين زائدين وهو غريب ، ويمسه بالياء ؛ لأن التأنيث ليس بحقيقي ، والضمير فاصل .

                                                                                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                                                                                الخدمات العلمية