الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                875 [ ص: 98 ] ص: قال أبو جعفر - رحمه الله -: فلما تضاد هذان الحديثان؛ أردنا أن نلتمس حكم هذا الباب من طريق النظر، لنستخرج به من هذين القولين قولا صحيحا، فنظرنا في ذلك، فوجدنا الأصل المتفق عليه أنه لا ينبغي أن يؤذن رجلين أذانا واحدا، يؤذن كل واحد منهما بعضه، فاحتمل أن يكون الأذان والإقامة كذلك؛ لا يفعلهما إلا رجل واحد ، واحتمل أن يكونا كالشيئين المقترنين فلا بأس بأن يتولى كل واحد منهما رجل على حدة، فنظرنا في ذلك؛ فرأينا الصلاة لها أسباب تتقدمها من الدعاء إليها بالأذان، ومن الإقامة لها، هذا في سائر الصلوات، ورأينا الجمعة تتقدمها خطبة لا بد منها، فكانت الصلاة متضمنة بالخطبة، وكان من صلى الجمعة بغير خطبة فصلاته باطلة حتى تكون الخطبة قد تقدمت الصلاة، ورأينا الإمام لا ينبغي أن يكون هو غير الخطيب؛ لأن كل واحد منهما مضمن بصاحبه، فكما كان لا بد منهما؛ لا ينبغي أن يكون القائم بهما إلا رجلا واحدا، ورأينا الإقامة جعلت من أسباب الصلاة أيضا، وأجمعوا أنه لا بأس أن يتولاها غير الإمام فكما قد كان يتولاها غير الإمام وهي في الصلاة أقرب منها في الأذان؛ كان لا بأس أن يتولاها غير الذي تولى الأذان، فهذا هو النظر وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله.

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بقوله: "هذان الحديثان" : حديث زياد بن الحارث الصدائي ، وحديث عبد الله بن زيد الأنصاري .

                                                وجه التضاد بينهما ظاهر لأن حديث الصدائي يقتضي أن لا يقيم الصلاة إلا من يؤذن لها ، وحديث عبد الله بن زيد يقتضي العموم، وهذا إنما يكون على تقدير تسليم صحة حديث الصدائي ، وقد قلنا إنه ضعيف، فلا يساوي حديث عبد الله بن زيد فلا يثبت التعارض؛ لأن من شرط التعارض بين الحديثين أن يكونا متساويين في القوة والضعف، ثم إن الذي ذكره الطحاوي ليس يدفع به التضاد بين المتضادين وإنما هو بيان أن النظر والقياس أيضا يقتضي بأن لا بأس بإقامة غير المؤذن ووجه ذلك ظاهر.

                                                [ ص: 99 ] وأراد من قوله: "لها أسباب" وقوله: "جعلت من أسباب الصلاة" العلامات لا الأسباب المصطلح عليها على ما لا يخفى.

                                                قوله: "مضمن" بتشديد الميم المفتوحة.

                                                قوله: "وهي من الصلاة" أي الإقامة من الصلاة أقرب منها من الأذان أي من قرب الأذان وهو ظاهر، فإن قيل: ينبغي أن يكون خبر الصدائي أولى بالأخذ والعمل لأنه متأخر عن خبر عبد الله بن زيد بلا شك، وكذا قال البيهقي : وإذا صح الخبران فخبر الصدائي أولى لأنه متأخر.

                                                قلت: نسلم ذلك إذا استوى الخبران، وخبر الصدائي ضعيف فلا يعارض خبر الأنصاري على أنه –عليه السلام- إنما قال: "من أذن فهو يقيم" ، تطييبا لقلب الصدائي ؛ لأنه كان حديث عهد بالإسلام؛ لأن قدوم وفد صداء وفيهم زياد بن الحارث الصدائي كان في حجة الوداع، وكان بعثه -عليه السلام- ابن عبادة إلى ناحية اليمن ، وأمره أن يطأ صداء كان حين انصرف -عليه السلام- من الجعرانة سنة ثمان، والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية