الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( الخامس خطبتان ) لما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل الجمعة إلا بخطبتين ( قبل الصلاة ) إجماعا إلا من شذ وفارقت العيد فإن خطبتيه مؤخرتان عنه للاتباع أيضا ولأن هذه شرط والشرط مقدم بخلاف تلك فإنها تكملة فكانت الصلاة أهم منها بالتقديم ويفرق بين كونها شرطا هنا لا ثم بأن المقصود منها هنا التذكير بمهمات المصالح الشرعية حتى لا تنسى فوجب ذلك في كل جمعة ؛ لأن ما هو مكرر كذلك لا ينسى غالبا وجعل شرطا تتوقف عليه الصحة مبالغة في حفظه والاستمرار عليه وثم صرف النفوس عما يقتضيه العيد من فخرها ومرحها وذلك من مهمات المندوبات دون الواجبات ، فإن قلت يوم الجمعة يوم عيد أيضا قلت العيد مختلف ؛ لأن ذاك من عود السرور الحسي وهذا من عود السرور الشرعي لكثرة ما فيه من الوظائف الدينية ومن ساعة الإجابة وغيرها كما بينته في كتابي اللمعة في خصائص الجمعة ويؤيد [ ص: 445 ] ذلك إطلاق العيد ، ثم دائما وإضافته للمؤمنين هنا غالبا ( وأركانهما خمسة ) من حيث المجموع كما سيعلم من كلامه

وقياس ما مر أن الشك بعد الصلاة أو الوضوء في ترك فرض لا يؤثر عدم تأثير الشك في ترك فرض من الخطبة بعد فراغها وبه يندفع قول الروياني بتأثيره هنا ولا نظر لكونه شاكا في انعقاد الجمعة ؛ لأن ذلك يأتي في الشك في ترك ركن من الوضوء مثلا وهو لا يؤثر ( حمد الله تعالى ) للاتباع رواه مسلم ( والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) [ ص: 446 ] ؛ لأنها عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى فافتقرت إلى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم كالآذان والصلاة وروى البيهقي خبر { قال الله تعالى وجعلت أمتك لا تجوز عليهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي } قيل هذا مما تفرد به الشافعي رضي الله عنه ورد بأنه تفرد صحيح ، ولا يقال : إن خطبته صلى الله عليه وسلم ليس فيها صلاة ؛ لأن اتفاق السلف والخلف على التصلية في خطبهم دليل لوجوبها إذ يبعد الاتفاق على سنة دائما

( ولفظهما ) أي حمد الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( متعين ) ؛ لأنه الذي مضى عليه الناس في عصره صلى الله عليه وسلم إلى الآن فلا يكفي ثناء وشكر ولا الحمد للرحمن أو الرحيم مثلا ولا رحم الله رسول الله أو بارك الله عليه ولا صلى الله على جبريل ولا الضمير كصلى الله عليه ، وإن تقدم له ذكر كما صرح به في الأنوار وجعله أصلا مقيسا عليه واعتمده البرماوي وغيره خلافا لمن وهم فيه . نعم ظاهر المتن تعين لفظ رسول وليس مرادا بل يكفي لفظ محمد وأحمد والنبي والحاشر والماحي والعاقب ونحوها مما ورد وصفه به وفارق الصلاة بأن ما هنا أوسع ويفرق بينها وبين الأذان فإنه لا يجوز إبدال محمد فيه بغيره مطلقا كما هو ظاهر من كلامهم وهو قياس التشهد بجامع اتفاق الروايات في كليهما عليه بأن السامعين ثم غير حاضرين فإبداله موهم بخلاف الخطبة وأيضا فالخطبة لم يتعبد بجميع ألفاظ أركانها فخفف أمرها وأيضا فالأذان قصد به الإشارة لكليات الشريعة التي أتى بها نبيها وأشهر أسمائه محمد فوجب الإتيان بأشهر أسمائه وهو محمد ليكون ذلك أشهر لتلك الكليات ومن ثم تعين لفظ محمد في التشهد أيضا ؛ لأنه أشبه بالأذان

وظاهر كلام الشيخين كالأصحاب تعين لفظ الحمد معرفا لكن صرح الجيلي بما اقتضاه المتن من إجزاء أنا حامد لله وحمدت الله وتوقف فيه الأذرعي لكن جزم به غيره ويكفي أيضا لله الحمد كعليكم السلام قاله ابن الأستاذ وأحمد الله وحمدا لله وصلى وأصلي ونصلي خلافا لما يوهمه المتن من تعين لفظ الصلاة معرفا ولا يشترط قصد الدعاء بالصلاة خلافا للمحب الطبري [ ص: 447 ] ؛ لأنها موضوعة لذلك شرعا ( والوصية بالتقوى ) ؛ لأنها المقصود من الخطبة فلا يكفي مجرد التحذير من الدنيا فإنه مما تواصى به منكرو الشرائع بل لا بد من الحث على الطاعة والزجر عن المعصية ويكفي أحدهما للزوم الآخر له

( ولا يتعين لفظها ) أي الوصية بالتقوى ( على الصحيح ) لأن الغرض الوعظ كما تقرر فيكفي أطيعوا الله ( وهذه الثلاثة أركان في ) كل واحدة من ( الخطبتين ) ؛ لأن كل خطبة مستقلة ومنفصلة عن الأخرى

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : والشرط مقدم ) فيه أنه يقارن أيضا [ ص: 445 ] كالاستقبال ويجاب بتعذر المقارنة هنا ( فرع ) قال البلقيني إن شرط الخطيب أن يكون ممن يصح الاقتداء به ا هـ وقضيته أنه لا تصح خطبة الأمي إذا لم يكن القوم كذلك وقد يوجه ما قاله فليتأمل ( فرع آخر ) لو لحن في الأركان لحنا يغير المعنى أو أتى بمخل آخر كإظهار لام الصلاة هل يضر كما في التشهد ونحوه في الصلاة فيه نظر ( قوله : عدم تأثير الشك في ترك فرض من الخطبة بعد فراغها ) قياس ما ذكر أيضا تأثير الشك في أثنائها وأنه لا يرجع لقول غيره ، وإن كثر إلا إن بلغ حد التواتر وهذا كله ظاهر في الخطيب فلو شك الأربعون أو بعضهم في ترك الخطيب شيئا من فروضها في أثنائها فهل يؤثر حتى يمتنع على الشاك الإحرام قبل الإتيان بالمشكوك فيه لتوقف انعقاد صلاتهم على وجوب الخطبة وقد شكوا فيها ويفرق بين ذلك وما لو شك المقتدون في بقية الصلوات في ترك الإمام بعض فروض الصلاة وشروطها حيث لا يؤثر بأن الشك هنا فيما يتوقف عليه انعقاد أصل الصلاة وفي تلك فيما يتوقف عليه الاقتداء لا أصل الصلاة فيه نظر وظاهر صنيعهم أن ذلك لا يؤثر ويؤيده أنهم لو شكوا حال صلاة الجمعة في إخلال الإمام بفرض منها أو شرط لها لم يؤثر ، مع أن الاقتداء فيها يتوقف عليه أصل الانعقاد فليتأمل .

وقد يفرق بأن للخطبة تعلقا بغير الخطيب لاشتراط سماع الأربعين ، ولو بالقوة فلو شكوا أو بعضهم توقف انعقاد جمعتهم على إعادتها ولزم الخطيب إعادتها إذا علم شكهم أو شك بعضهم فليتأمل فقد ينقض هذا الفرق بأن صلاة الجمعة لها تعلق بالمأمومين أيضا لاشتراط ربطهم بها في انعقادها ، ويفرق بأن الشرع اعتبر سماع الخطبة فلا بد من وجوده ومع الشك لم يعلموا وجوده فأثر ذلك ولم يعتبر اطلاع المأموم على صلاة الإمام فلم يؤثر الشك ومال م ر تارة إلى ضرر الشك من غير [ ص: 446 ] الخطيب وتارة إلى عدم ضرره ( قوله : لأنها عبادة إلخ ) هذه الأدلة لا تدل على خصوص الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ( قوله : بأن السامعين ، ثم إلخ ) هذا الفرق بالنظر للأذان ويبقى الفرق بالنسبة للتشهد ويفرق بأن أمر الصلاة أضيق فاقتصر على ما ورد ( قوله : ولا يشترط قصد الدعاء بالصلاة ) لكن ينبغي عدم الصارف [ ص: 447 ] عند الدعاء لمحض الخبر

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث