الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فقد قال صلى الله عليه وسلم : " أئمتكم شفعاؤكم " ، أو قال : " وفدكم إلى الله " ، فإن أردتم أن تزكوا صلاتكم ، فقدموا خياركم وقال بعض السلف : ليس بعد الأنبياء أفضل من العلماء ، ولا بعد العلماء أفضل من الأئمة المصلين لأن هؤلاء قاموا بين يدي الله عز وجل وبين خلقه هذا بالنبوة ، وهذا بالعلم ، وهذا بعماد الدين وهو ، الصلاة .

وبهذه الحجة احتج الصحابة في تقديم أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعنهم للخلافة إذ قالوا : نظرنا فإذا الصلاة عماد الدين ، فاخترنا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا وما قدموا بلالا احتجاجا بأنه رضيه للأذان وما روي أنه قال له رجل : يا رسول الله دلني على عمل أدخل به الجنة قال : كن مؤذنا قال : لا أستطيع قال : كن إماما قال : لا أستطيع قال : صل بإزاء الإمام فلعله ظن أنه لا يرضى بإمامته إذ الأذان إليه ، والإمامة إلى الجماعة ، وتقديمهم له .

ثم بعد ذلك توهم أنه ربما يقدر عليها .

التالي السابق


(قال - صلى الله عليه وسلم - : "أئمتكم شفعاؤكم إلى الله " ، أو قال : "وفدكم إلى الله " ، فإن أردتم أن تزكو) ، أي : تنمو (صلاتكم ، فقدموا أخياركم) ، ولفظ القوت : وروينا في خبر غريب أئمتكم وفودكم إلى الله تعالى ، والباقي سواء ، وقال العراقي : أخرجه الدارقطني ، والبيهقي ، وضعف إسناده من حديث ابن عمر ، والبغوي ، وابن قانع ، والطبراني في معاجمهم ، والحاكم من حديث مرثد بن أبي مرثد نحوه ، وهو منقطع ، وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي ، وهو ضعيف .

(وقال بعض السلف : ليس بعد الأنبياء أفضل من العلماء ، ولا بعد العلماء أفضل من الأئمة المصلين) ، وفي بعض النسخ : الصالحين (لأن هؤلاء قاموا بين الله وبين خلقه هذا بالنبوة ، وهذا بالعلم ، وهذا بعماد الدين ، وهي الصلاة) . هكذا أورده صاحب القوت بلفظ : وكان بعضهم يقول : ليس بعد الأنبياء إلخ ، ثم قال صاحب القوت : (وبهذه الحجة احتج الصحابة) ، ولفظ القوت : احتج علي (في تقديم أبي بكر - رضي الله عنه - للخلافة) ، ولفظ القوت : في الخلافة لما أهله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إذ قالوا : نظرنا) ، ولفظ القوت : قال : فنظرنا (فإذا الصلاة عماد الدين ، فاخترنا لدنيانا من رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا) ، ولفظ القوت : فرضينا لديننا من رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إماما . قال : وبهذه الحجة احتج عمر - رضي الله عنه - على الأنصار في بيعة أبي بكر - رضي الله عنه - ، فقال : أيكم يطيب نفسه أن يتقدم من قدمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إمامه ، وبهذا احتج أبو عبيدة - رضي الله عنه - على أبي بكر ، كما أخذ بيده ، وبيد عمر ، وقال : بايعوا أحد هذين ، فقد رضيت لكم أحدهما ، فقال أبو عبيدة : ما كنت لأصلي أمام من صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلفه ، وقال العراقي : تقديم الصحابة أبا بكر ، وقولهم اخترنا لدنيانا إلخ أخرجه ابن شاهين في شرح مذاهب

[ ص: 176 ] السنة من حديث علي قال : لقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أن يصلي بالناس ، وإني لشاهد ما أنا بغائب ، ولا بي مرض ، فرضينا لدنيانا ما رضي به النبي - صلى الله عليه وسلم - لديننا . والمرفوع منه متفق عليه من حديث عائشة ، وأبي موسى في حديث قال فيه : "مروا أبا بكر فليصل بالناس " .

قلت : وبهذا استدل أبو حنيفة ، ومحمد في تقديم الأعلم على الأقرأ ؛ لأنه كان ثمة من هو أقرأ من أبي بكر لا أعلم منه ؛ لقوله - عليه السلام - : "أقرؤكم أبي " ، وقول أبي سعيد كان أبو بكر أعلمنا ، وإنما اختار المشايخ هذا القول ؛ لأن الإمامة ميراث نبوي ، فيختار لها من يكون أشبه به خلقا وخلقا ، والقراءة يحتاج إليها لركن واحد ، والعلم يحتاج إليه لجميع الصلاة ، والخطأ المفسد للصلاة في القراءة لا يعرف إلا بالعلم . والله أعلم .

(وما قدموا بلالا) الحبشي - رضي الله عنه - (احتجاجا) منهم (بأنه) - صلى الله عليه وسلم - (رضيه للأذان) قال العراقي : أما المرفوع منه فرواه أبو داود ، والترمذي ، وصححه ، وابن ماجه ، وابن خزيمة ، وابن حبان من حديث عبد الله بن زيد في بدء الأذان ، وفيه : "قم مع بلال ، فألق عليه ما رأيت ، فليؤذن به " الحديث . وأما تقديمهم له بعد موته - صلى الله عليه وسلم - فروى الطبراني أن بلالا جاء إلى أبي بكر ، فقال : يا خليفة رسول الله أردت أن أربط نفسي في سبيل الله حتى أموت ، فقال أبو بكر : أنشدك بالله يا بلال ، وحرمتي ، وحقي لقد كبر سني ، وضعفت قوتي ، واقترب أجلي فأقام بلال معه ، فلما توفي أبو بكر جاء عمر ، فقال له مثل ما قال أبو بكر ، فأبى عليه ، فقال عمر : فمن يا بلال ، فقال : إلى سعد فإنه قد أذن بقباء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجعل عمر الأذان إلى سعد ، وعقبه ، وفي إسناده جهالة (وما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال له رجل : يا رسول الله دلني على عمل أدخل به الجنة ، فقال : كن مؤذنا ، فقال : لا أستطيع ، فقال له: كن إماما ، فقال : لا أستطيع قال : صل بإزاء الإمام ) . هكذا أورده صاحب القوت ، وقال العراقي : رواه البخاري في التاريخ ، والعقيلي في الضعفاء ، والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف (فلعله ظن أنه لا يرضى) على البناء للمجهول (بإمامته) ، أي : لا يرضونه (إذ الأذان إليه ، والإمامة إلى الجماعة ، وتقديمهم له ، ثم بعد ذلك توهم أنه ربما يقدر عليها) .




الخدمات العلمية