الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              [ ص: 56 ] حدثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا محمد بن قارن الرازي قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " من الدنيا لا ندرك آمالنا ، وللآخرة لا نقدم أعمالنا ، وفي القيامة غدا لا ندري ما حالنا " .

              حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ، ثنا عباس بن يوسف الشكلي ، ثنا محمد بن الحسن بن العلاء البلخي قال : سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول : " الناس ثلاثة : فرجل شغله معاده عن معاشه فتلك درجة الصالحين ، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك درجة الفائزين ، ورجل شغله معاشه عن معاده فتلك درجة الهالكين " .

              سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول : سمعت أبا العباس بن حكويه الرازي يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " لا تسكن إلى نفسك وإن دعتك إلى الرغائب " .

              سمعت أبا الحسن يقول : سمعت أبا العباس يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " الدنيا بحر التلف والنجاة منها الزهد فيها " .

              سمعت أبا الحسن يقول : سمعت أبا العباس يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " يا جهول يا غفول لو سمعت صرير القلم حين يجري في اللوح المحفوظ بذكرك لمت طربا . قال : وسمعت يحيى يقول : استشعرت الفقر فاتهمته ، ووثقت بعبد مثلك فقير فائتمنته ، ثم صرخ وقال : واسوأتاه منك إذا شاهدتني وهمتي تسبق إلى سواك أم كيف لا أضنى في طلب رضاك . قال : وسمعت يحيى يقول : قلب المحب يهيم بالطيران وتكلمه لدغات الشوق والخفقان . قال : وسمعته يقول : إلهي إن كانت ذنوبي عظمت في جنب نهيك فإنها قد صغرت في جنب عفوك ، إلهي لا أقول لا أعود لما أعرف من خلقي وضعفي ، إلهي إنك إن أحببتني غفرت سيئاتي وإن مقتني لم تقبل حسناتي ، ثم قال : أواه قبل استحقاق قول أواه . قال : وسمعت يحيى يقول : لو سمع الخلق صوت النياحة على الدنيا في الغيب من ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حزنا ، ولو سمعت الخليقة دمدمة النار على الخليقة لتصدعت القلوب فرقا " .

              [ ص: 57 ] أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد في كتابه ، وحدثني عنه ، عثمان ، ثنا عبد الله بن سهل الرازي ، قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " لا تجعل الزهد حرفتك لتكتسب بها الدنيا ولكن اجعلها عبادتك لتنال بها الآخرة ، وإذا شكرك أبناء الدنيا ومدحوك فاصرف أمرهم على الخرافات ، وقال : ترى الخلق متعلقين بالأسباب ، والعارف متعلق بولي الأسباب ، إنما حديثه عن عظمة الله وقدرته وكرمه ورحمته يحترف بهذا دهره ، ويدخل به قبره ، وسمعته يقول : من كانت الحياة قيده كان طلاقه منها موته ، وسمعته يقول : الدنيا لا قدر لها عند ربها وهي له ، فما ينبغي أن يكون قدرها عندك وليست لك قال : وسئل يحيى عن الوسوسة ، فقال : إن كانت الدنيا سجنك كان جسدك لها سجنا ، وإن كانت الدنيا روضتك كان جسدك لها بستانا ، وقيل ليحيى : كيف يتعبد الرجل من غير بضاعة تعينه على العبادة ؟ قال : أولئك بضاعتهم مولاهم وزادهم تقواهم وشغلهم ذكراهم ، ومن اهتم بعشائه لم يتهن بغدائه ، ومن أراد تسكين قلبه بشيء دون مولاه لم يزده استكثاره من ذلك إلا اضطرابا " .

              حدثنا أبو الحسن محمد بن عمرو ، ثنا الحسن بن علويه ، سمعت يحيى بن معاذ يقول : " لو لم يكن للعارفين إلا هاتان النعمتان لكفاهم منه ، متى رجعوا إليه وجدوه ، ومتى ما شاءوا ذكروه " .

              حدثنا أبو الحسن ، ثنا الحسن قال : سمعت يحيى يقول : " من صفة العارف شيئان : ما مضى وما كان ، وفيما هو وما أعلم وكيف أعمل ، وبعده ما يكون ؟ فكيف تكون هذه الثلاثة الأيام أمس واليوم وغدا ؟ قد زل عن قلبه عجب عمله ، ولازمه خوف ذنبه . قال : وسمعت يحيى يقول : من صفة العارف جسم ناعم وقلب هائم وشوق دائم وذكر لازم . قال : وسمعت يحيى يقول : عبادة العارف في ثلاثة أشياء : معاشرة الخلق بالجميل ، وإدامة الذكر للجليل ، وصحة جسم بين جنبيه قلب عليل . وسمعته يقول : سبحان من طيب الدنيا للعارفين بمعرفته ، وسبحان من طيب لهم الآخرة بمعذرته ، فتلذذوا أيام الحياة بالذكر في مجالس معرفته ، وغدا يتلذذون في رياض القدس بشراب مغفرته ، فلهم في الدنيا زرع ذكر [ ص: 58 ] ولهم في الآخرة ربيع بر ، ساروا على المطايا من شكره حتى وصلوا إلى العطايا من ذخره ، فإنه ملك كريم " .

              سمعت محمد بن محمد بن عبيد الله يقول : سمعت محمد بن محمد بن مسعود البدشي يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " العارف قد يشتغل بربه عن مفاخرة الأشكال ، ومجالس العطايا ، وعن منازعة الأضداد ، في مجالس البلايا . قال : وسمعت يحيى بن معاذ يقول : أوثق الرجاء رجاء العبد ربه ، وأصدق الظنون حسن الظن بالله " .

              سمعت محمد بن محمد بن عبيد الله يقول : سمعت أحمد بن محمد بن مسعود يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " طوبى لعبد أصبحت العبادة حرفته ، والفقر منيته ، والعزلة شهوته ، والآخرة همته ، وطلب العيش بلغته ، وجعل الموت فكرته ، وشغل بالزهد نيته ، وأمات بالذل عزته ، وجعل إلى الرب حاجته ، يذكر في الخلوات خطيئته ، وأرسل على الوجنة عبرته ، وشكا إلى الله غربته ، وسأله بالتوبة رحمته ، طوبى لمن كان ذلك صفته ، وعلى الذنوب ندامته جأر الليل والنهار ، وبكاء إلى الله بالأسحار ، يناجي الرحمن ويطلب الجنان ويخاف النيران " .

              سمعت محمد بن محمد يقول : سمعت محمد بن أحمد بن مسعود البدشي يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " الكيس من فيه ثلاثة خصال : من بادر بعمله ، وتسوف بأمله ، واستعد لأجله " . قال : وسمعت يحيى يقول : المغبون يوم القيامة من فيه ثلاثة خصال : من قرض أيامه بالبطالات ، وبسط جوارحه على الحسرات ، ومات قبل إفاقته من السكرات . قال : وسمعت يحيى بن معاذ يقول : سبحان الله ، فلعل لا إله إلا الله تستوهبه من أهل لا إله إلا الله ، فليس ما أتى به من الذنب عصيانا أكثر مما أتى به من التوحيد إيمانا " .

              سمعت محمد بن محمد بن عبيد الله يقول : سمعت محمد بن أحمد سنة خمس وثلاثمائة يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " إن العبد على قدر حبه لمولاه يحببه إلى خلقه ، وعلى قدر توقيره لأمره يوقره خلقه ، وعلى قدر [ ص: 59 ] التشاغل منه بأمره يشغل به خلقه ، وعلى قدر سكون قلبه على وعده يطيب له عيشه ، وعلى قدر إدامته لطاعته يحليها في صدره ، وعلى قدر لهجته بذكره يديم ألطاف بره ، وعلى قدر استيحاشه من خلقه يؤنسه بعطائه ، فلو لم يكن لابن آدم من الثواب على عمله إلا ما عجل له في دنياه لكان كثيرا ، سوى ما يريد أن يصير إليه من جزيل جزائه وعظيم إعطائه ما لا يحيط به إحصاء ولا تبلغه منى ، إذ كان يعطي على قدر ما هو أهله ، إنه ملك كريم " .

              أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي في كتابه ، وحدثني عنه عثمان بن محمد ، ثنا عبد الله بن سهل قال : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " من سعادة المرء أن يكون خصمه فهما ، وخصمي لا فهم له ، قيل له : من خصمك ؟ قال : خصمي نفسي لا فهم لها تبيع الجنة بما فيها من النعيم المقيم ، والخلود فيها بشهوة ساعة في دار الدنيا . قال : وسمعت يحيى يقول : لا تعرفه حتى تعمى عن الخلق . قال : وسمعته يقول : يا ابن آدم إنك لا تشتاق إلى ربك إلا بالاستيحاش من خلقه قال : وسمعت يحيى يقول : للتائب فخر لا يعادله فخر في جميع أفخاره فرح الله بتوبته . قال : وسمعت يحيى يقول : من ادعى حبه فهو طالب ، فإذا أحبه سكت . قال : وسمعت يحيى يقول : إذا اصطفاهم لنفسه وأمكنهم من أنسه حجبهم عن خلقه بالمعروف من رفقه ، قيل له : وكيف يحجبهم ؟ قال : يحجبهم عن أبناء الدنيا بأستار الآخرة وعن أبناء الآخرة بأستار الدنيا ، وهذا مشهور . قال : وسمعت يحيى يقول :


              مجد إلهك يحيى إنه ملك مهيمن صمد للذنب غفار     اشكر له حكما آتاكها مننا
              تترى توافقها في الدين آثار



              قال : وسمعت يحيى يقول : لو لم يسكنهم ببلواه لطارت بهم نعماه ، ولم يصل إليه من لم يرض بقسمه ، ولم يعرفه من لم يتمتع بنعمه ، ولم يحبه من لم يته في كرمه . وسمعته يقول : حين خاطروا بالنفوس اقتربوا ، وهذا طعم الخبر فكيف طعم النظر ؟ " .

              سمعت أبا الحسن محمد بن عمرو الجرجاني يقول : سمعت أبا محمد الحسن [ ص: 60 ] بن محمد الرازي المذكر يقول : سمعت أبي يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " أفواه الرجال حوانيتها ، وشفاهها مغاليقها ، وأسنانها مخالبها ، فإذا فتح الرجل باب حانوته تبين لك العطار من البيطار . قال : وسمعت يحيى يقول : قد دعاك إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه ؟ أمن الدنيا أم من قبرك ، إنك إن أجبته من دنياك دخلتها ، وإن أجبته من قبرك منعتها . قال : وسمعت يحيى يقول : إن الدرهم عقرب ، فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه بيدك ، فإنه إن لدغك قتلك . قال : وسمعته يقول : الدنيا سم الله القتال لعباده ، فخذوا منها حسب ما يؤخذ السم في الأدوية ؛ لعلكم تسلمون " .

              أخبرنا محمد بن الحسين بن موسى ، في كتابه قال : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت الحسن بن علويه يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " أولياؤه أسراء نعمه ، وأصفياؤه رهائن كرمه ، وأحباؤه عبيد مننه فهم عبيد محبة لا يعتقون ، ورهائن كرم لا يفكون ، وأسراء نعم لا يطلقون " .

              أخبرنا محمد بن الحسين قال : سمعت محمد بن علي النهاوندي يقول : سمعت موسى بن محمد يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " أهل المعرفة وحش الله في الأرض لا يأنسون إلى أحد ، والزاهدون غرباء في الدنيا والعارفون غرباء في الآخرة . قال : وسمعت يحيى يقول : ابن آدم ما لك تأسف على مفقود لا يرده عليك الغوث ؟ وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت " .

              أخبرنا عبد الواحد بن بكر ، حدثني أحمد بن محمد بن علي البردعي ، ثنا طاهر بن إسماعيل الرازي قال : قيل ليحيى بن معاذ : أخبرني عن الله ما هو ؟ قال : إله واحد ، قال : كيف هو ؟ قال : ملك قادر ؟ قال : أين هو ؟ قال : بالمرصاد ، قال : ليس عن هذا أسألك قال يحيى : فذاك صفة المخلوق فأما صفة الخالق فقد أخبرتك " .

              حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال : سمعت أبا بكر البغدادي يقول : سمعت عبد الله بن سهل الرازي يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " عجبت لمن يصبر عن ذكر الله ، وأعجب منه من صبر عليه كيف لا ينقطع ؟ ثم قال :


              ندافع عيشنا بالجهد جهدا     مدافعة إلى جهد المنايا



              [ ص: 61 ] قال : وسمعت يحيى يقول : من صفة العارف خصلتان : ألا يذيع حاله لأحد ولا يفتش أحد عن حاله ، ومن علامة المريد الرضا بالقضاء ، والثقة بالوعد ، والعمل بالإخلاص ، والشكر على البلاء ، والتوبة من كل ذنب ، وامتحان الإرادات . قال : وسمعت يحيى يقول : سبحان من جعل الأرواح روحانية نورانية والأنفس جولانية هوائية ، فالأرواح تحن إلى عليين معدنها ، والأنفس تحن إلى سجين محبسها " .

              حدثنا عثمان بن محمد قال : قرئ على أبي حسن أحمد بن محمد بن عيسى قال : سمعت إسماعيل بن معاذ يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : " قوم على فرش من الذكر في مجلس من الشوق ، وبساتين من المناجاة بين رياض الأطراب ، وقصور الهيبة ، وفناء مجال الأنس معانقي عرائس الحكمة بصدور الأفهام ، مناعي زفرات الوجد وجوه الآخرة بفنون الأفراح تعاطوا بينهم كئوس حبه ، سقاهم فيها وغوتهم على شربها فرقان الشجى ، تجري في الأكباد تديم عليهم ذكر الحبيب ويبلبلهم معها هيمان الوجود ، قال : وأنشدني إسماعيل بن معاذ لأخيه يحيى بن معاذ :


              طرب الحب على الحب     مع الحب يدوم
              عجبا لمن رأيناه     على الحب يلوم
              حول حب الله ما عشت     مع الشوق أحوم
              وبه أقعد ما عشت     حياتي وأقوم



              وقال أيضا رحمه الله :


              نفس المحب إلى الحبيب تطلع     وفؤاده من حبه يتقطع
              عز الحبيب إذا خلا في ليله     بحبيبه يشكو إليه ويضرع
              ويقوم في المحراب يشكو بثه     والقلب منه إلى المحبة ينزع



              التالي السابق


              الخدمات العلمية