الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                ولهذا كره أحمد وغيره لباس السواد لما كان في لباسه تشبه بمن يظلم أو يعين على الظلم وكره بيعه لمن يستعين بلبسه على الظلم فأما إذا لم يكن فيه مفسدة لم ينه عنه . وكره من كره من الصحابة والتابعين بيع الأرض الخراجية لأن [ ص: 489 ] المسلم المشتري لها إذا أدى الخراج عنها أشبه أهل الذمة في التزام الجزية فإن الخراج جزية الأرض وإن لم يؤدها ظلم المسلمين بإسقاط حقهم من الأرض لم يكرهوا بيعها لكونها وقفا

                فإن الوقف إنما منع من بيعه لأن ذلك يبطل الوقف ولهذا لا يباع ولا يوهب ولا يورث والأرض الخراجية تنتقل إلى الوارث باتفاق العلماء وتجوز هبتها والمتهب المشتري يقوم فيها مقام البائع فيؤدي ما كان عليه من الخراج وليس في بيعها مضرة لمستحقي الخراج كما في بيع الوقف .

                وقد غلط كثير من الفقهاء فظنوا أنهم كرهوا بيعها لكونها وقفا واشتبه عليهم الأمر لأنهم رأوا الآثار مروية في كراهة بيعها وقد عرفوا أن عمر جعلها فيئا لم يقسمها قط وذلك في معنى الوقف فظنوا أن بيعها مكروه لهذا المعنى ولم يتأملوا حق التأمل فيرون أن هذا البيع ليس هو من جنس البيع المنهي عنه في الوقف فإن هذه يصرف مغلها إلى مستحقها قبل البيع وبعده وعلى حد واحد ليست كالدار التي إذا بيعت تعطل نفعها عن أهل الوقف وصارت للمشتري . وأعجب من ذلك أن طائفة من هؤلاء قالوا : مكة إنما كره بيع رباعها لكونها فتحت عنوة ولم تقسم أيضا وهم قد قالوا مع جميع الناس إن الأرض العنوة التي جعلت أرضها فيئا يجوز بيع مساكنها والخراج إنما جعل على المزارع لا على المساكن فلو كانت [ ص: 490 ] مكة قد جعلت أرضها للمسلمين وجعل عليها خراج لم يمتنع بيع مساكنها لذلك فكيف ومكة أقرها النبي صلى الله عليه وسلم بيد أهلها على ما كانت عليه مساكنها ومزارعها ولم يقسمها ولم يضرب عليها خراجا ; ولهذا قال من قال : إنها فتحت صلحا ولا ريب أنها فتحت عنوة كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة المتواترة لكن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق أهلها جميعهم فلم يقتل إلا من قاتله ولم يسب لهم ذرية ولا غنم لهم مالا ولهذا سموا الطلقاء .

                وأحمد وغيره من السلف إنما عللوا ذلك بكونها فتحت عنوة مع كونها مشتركة بين المسلمين . كما قال تعالى : { والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبادي } وهذه هي العلة التي اختصت بها مكة دون سائر الأمصار فإن الله أوجب حجها على جميع الناس وشرع اعتمارها دائما فجعلها مشتركة بين جميع عباده . كما قال : { سواء العاكف فيه والبادي } ولهذا كانت منى وغيرها من المشاعر من سبق إلى مكان فهو أحق به حتى ينتقل عنه كالمساجد ومكة نفسها من سبق إلى مكان فهو أحق به والإنسان أحق بمسكنه ما دام محتاجا إليه وما استغنى عنه من المنافع فعليه بذله بلا عوض لغيره من الحجيج وغيرهم .

                ولهذا كانت الأقوال في إجارة دورها وبيع رباعها ثلاثة . قيل : لا يجوز لا هذا ولا هذا . وقيل : يجوز الأمران .

                [ ص: 491 ] والصحيح أنه يجوز بيع رباعها ولا يجوز إجارتها وعلى هذا تدل الآثار المنقولة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم فإن الصحابة كانوا يتبايعون دورها والدور تورث وتوهب وإذا كانت تورث وتوهب جاز أن تباع بخلاف الوقف فإنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب . وكذلك أم الولد من لم يجوز بيعها لم يجوز هبتها ولا أن تورث وأما إجارتها فقد كانت تدعى السوائب - على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما من احتاج سكن ومن استغنى أسكن ; لأن المسلمين كلهم محتاجون إلى المنافع فصارت كمنافع الأسواق والمساجد والطرقات التي يحتاج إليها المسلمون فمن سبق إلى شيء منها فهو أحق به وما استغنى عنه أخذه غيره بلا عوض وكذلك المباحات التي يشترك فيها الناس ويكون المشتري لها استفاد بذلك أنه أحق من غيره ما دام محتاجا وإذا باعها الإنسان قطع اختصاصه بها وتوريثه إياها وغير ذلك من تصرفاته ولهذا له أن لا يبذله إلا بعوض والنبي صلى الله عليه وسلم من على أهل مكة فإن الأسير يجوز المن عليه للمصلحة وأعطاهم مع ذلك ذراريهم وأموالهم كما من على هوازن لما جاءوا مسلمين بإحدى الطائفتين : السبي أو المال فاختاروا السبي فأعطاهم السبي وكان ذلك بعد القسمة [ ص: 492 ] فعوض عن نصيبه من لم يرض بأخذه منهم وكان قد قسم المال فلم يرده عليهم وقريش لم تحاربه كما حاربته هوازن وهو إنما من على من لم يقاتله منهم كما قال : { من أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن } . فلما كف جمهورهم عن قتاله وعرف أنهم مسلمون أطلقهم ولم يغنم أموالهم ولا حريمهم ولم يضرب الرق لا عليهم ولا على أولادهم بل سماهم الطلقاء من قريش بخلاف ثقيف فإنهم سموا العتقاء فإنه أعتق أولادهم بعد الاسترقاق والقسمة وكان في هذا ما دل على أن الإمام يفعل بالأموال والرجال والعقار والمنقول ما هو أصلح فإن النبي صلى الله عليه وسلم فتح خيبر فقسمها بين المسلمين وسبى بعض نسائها وأقر سائرهم مع ذراريهم حتى أجلوا بعد ذلك فلم يسترقهم ومكة فتحها عنوة ولم يقسمها لأجل المصلحة .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية