الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

المسألة الثانية : في صفات القاضي والمفتي وفيها فصلان :

الأول : في صفات القاضي وله ثمانية شروط أحدها : الحرية ، والثاني : الذكورة ، والثالث : الاجتهاد ، فلا يجوز تولية جاهل بالأحكام الشرعية وطرقها المحتاج إلى تقليد غيره فيها ، وإنما يحصل أهلية الاجتهاد لمن علم أمورا أحدها كتاب الله تعالى ، ولا يشترط العلم بجميعه ، بل مما يتعلق بالأحكام ، ولا يشترط حفظه عن ظهر القلب ، ومن الأصحاب من ينازع ظاهر كلامه فيه . الثاني : سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا جميعها ، بل ما يتعلق منها بالأحكام ، ويشترط أن يعرف منها العام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والمجمل والمبين ، والناسخ والمنسوخ ، ومن السنة المتواتر والآحاد ، والمرسل والمتصل ، وحال الرواة جرحا وتعديلا . الثالث : أقاويل علماء الصحابة ومن بعدهم - رضي الله عنه - إجماعا واختلافا . الرابع : القياس فيعرف جليه وخفيه ، وتمييز الصحيح من الفاسد . الخامس : لسان العرب لغة وإعرابا ، لأن الشرع ورد بالعربية وبهذه الجهة يعرف عموم اللفظ وخصوصه وإطلاقه وتقييده ، وإجماله وبيانه . قال أصحابنا : ولا يشترط التبحر في هذه العلوم ، بل يكفي معرفة جمل منها ، وزاد الغزالي تخفيفات ذكرها في أصول الفقه منها : أنه لا حاجة إلى تتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها ، بل يكفي أن يكون له أصل مصحح وقعت العناية فيه بجميع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود ، ويكفي أن يعرف مواقع كل باب ، فيراجعه إذا احتاج إلى العمل بذلك الباب .

قلت : لا يصح التمثيل بسنن أبي داود فإنه لم يستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام ولا معظمه ، وذلك ظاهر ، بل معرفته ضرورية لمن له أدنى اطلاع . وكم في صحيح البخاري ومسلم من حديث حكمي ليس في سنن أبي داود . وأما ما في كتابي الترمذي والنسائي وغيرهما من الكتب المعتمدة فكثرته وشهرته غنية عن التصريح بها . - والله أعلم - .

ومنها : أنه لا يشترط ضبط جميع مواضع الإجماع والاختلاف ، بل يكفي أن يعرف في المسألة التي يفتي فيها أن قوله لا يخالف الإجماع ، بأن يعلم أنه وافق بعض المتقدمين ، أو يغلب على ظنه أن المسألة لم يتكلم فيها الأولون بل تولدت في عصره ، وعلى قياس معرفة الناسخ والمنسوخ . ومنها : أن كل حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة رواته فلا حاجة إلى البحث عن عدالة رواته ، وما عدا ذلك ينبغي أن يكتفي في عدالة رواته بتعديل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه في الجرح والتعديل .

قلت : هذه المسألة مما أطبق جمهور الأصحاب عليه ، وشذ من شرط في التعديل اثنين ، وقوله : تواترت عدالة رواته يعني مع ضبطهم . ولو قال : أهلية رواته كان أولى ليشمل العدالة والضبط . وقوله : أجمع السلف على قبوله يعني على العمل به ، ولا يكفي عملهم على وفقه ، فقد يعملون على وفقه بغيره . - والله أعلم - .

ومنها : أن اجتماع هذه العلوم إنما يشترط في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع ، ويجوز أن يكون للعالم منصب الاجتهاد في باب دون باب ، وعد الأصحاب من شروط الاجتهاد معرفة أصول الاعتقاد . قال الغزالي : وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم ، ولا يشترط معرفتها على طرق المتكلمين وبأدلتهم التي يحررونها .

الشرط الرابع : البصر ، فلا يصح تولية أعمى وفي " جمع الجوامع " للروياني وجه أنه يجوز ، والصحيح الأول وبه قطع الجمهور ، لأنه لا يعرف الخصوم والشهود .

الخامس : التكليف ، فلا يصح تولية الصبي .

السادس : العدالة فلا يصح تولية فاسق ولا كافر ولو على الكفار ، قال الماوردي : وما جرت به عادة الولادة من نصب حاكم بين أهل الذمة ، فهو تقليد رئاسة وزعامة لا تقليد حكم وقضاء ، ولا يلزمهم حكمه بإلزامه بل بالتزامهم .

السابع : أن يكون ناطقا سميعا ، فلا يجوز تقليد أخرس لا تعقل إشارته ، وكذا إن عقلت على الصحيح ، ولا أصم لا يسمع أصلا ، فإن كان يسمع إذا صيح به ، جاز تقليده .

الثامن : الكفاية ، فلا يصح قضاء مغفل اختل رأيه ونظره بكبر أو مرض ونحوهما .

ولا يشترط أن يحسن الكتابة على الأصح . ويستحب أن يكون وافر العقل حليما متثبتا ذا فطنة وتيقظ ، كامل الحواس والأعضاء ، عالما بلغة الذين يقضي بينهم ، بريئا من الشحناء والطمع ، صدوق اللهجة ، ذا رأي ووفاء ، وسكينة ووقار ، وأن لا يكون جبارا يهابه الخصوم ، فلا يتمكنون من استيفاء الحجة ، ولا ضعيفا يستخفون به ، ويطمعون فيه ، وأن يكون قرشيا . ورعاية العلم والتقى أولى من رعاية النسب .

فرع

إن عرف الإمام أهليته ولاه ، وإلا فيبحث عن حاله ، فلو ولى من لم تجتمع فيه الشروط مع العلم بحاله ، أثم المولي والمتولي ولم ينفذ قضاؤه وإن أصاب ، هذا هو الأصل في الباب .

قال في " الوسيط " : لكن اجتماع هذه الشروط متعذر في عصرنا لخلو العصر عن المجتهد المستقل ، فالوجه تنفيذ قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة وإن كان جاهلا أو فاسقا لئلا تتعطل مصالح الناس ، ويؤيده أنا ننفذ قضاء قاضي البغاة لمثل هذه الضرورة ، وهذا حسن ، لكن في بعض الشروح أن قاضي البغاة إذا كان منهم ، وبغيهم لا يوجب فسقا كبغي أصحاب معاوية - رضي الله عنه - جاز قضاؤه ، وإن أوجب الفسق ، كبغي أهل النهروان ، لم يجز .

قلت : هذا المنقول عن بعض الشروح مشهور ، قد ذكره صاحب " المهذب " وغيره ، ففي " المهذب " أن قاضي البغاة إن كان ممن يستبيح دم أهل العدل ومالهم ، لم ينفذ حكمه ؛ لأن شرطه العدالة والاجتهاد ، وهذا ليس بعدل ولا مجتهد ، وقد جزم الرافعي في " المحرر " بما ذكره الغزالي ، فقال : إن تعذر اجتماع هذه الشروط ، فولى سلطان ذو شوكة فاسقا ، أو مقلدا ، نفذ قضاؤه للضرورة . والله أعلم .

وذكر أن القاضي العادل إذا استقضاه أمير باغ ، أجابه إليه ، ونفذ قضاؤه ، فقد سئلت عائشة - رضي الله عنها - عن ذلك لمن استقضاه زياد ، فقالت : إن لم يقض لهم خياركم قضى شراركم .

فرع

من لا تقبل شهادته من أهل البدع لا يصح تقليده القضاء . قال الماوردي : وكذا لا يجوز تقليد من لا يقول بالإجماع ، أو لا يقول بأخبار الآحاد ، وكذا حكم نفاة القياس الذين لا يقولون بالاجتهاد أصلا ، بل يتبعون النصوص ، فإن لم يجدوا أخذوا بقول سلفهم ، كالشيعة ، فإن كانوا مجتهدين في فحوى الكلام ، ويبنون الأحكام على عموم النصوص وإشاراتها ، جاز تقليدهم على الأصح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث