الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا يجمع بالتيمم صلاتي فرض

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا يجمع بالتيمم صلاتي فرض بل يجدد لكل فريضة طلبا للماء وتيمما بعد الطلب الأول لقوله جل وعز : إذا قمتم إلى الصلاة وقول ابن عباس : " لا تصلى المكتوبة إلا بتيمم " .

قال الماوردي : وهذا كما قال : لا يجوز أن يصلي فرضين بتيمم واحد وقال أبو حنيفة : يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من فرض ونفل ما لم يحدث كالوضوء ، وقال [ ص: 258 ] أبو ثور : يجوز أن يجمع به بين الفوائت ، ولا يجوز أن يجمع بين المؤقتات واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : " الصعيد الطيب طهور من لم يجد الماء إلى عشر سنين " فجعله طهورا مستداما ، ولأنها طهارة يجوز أن يؤدى بها النفل ، فجاز أن يؤدى بها الفرض كالوضوء ولأن ما جاز أن يؤدى بالوضوء جاز أن يؤدى بالتيمم كالنوافل ، ولأنها طهارة ضرورة فلم تختص بفرض واحد كالمسح على الخفين ، ولأنه لو أعاد التيمم لكل فرض للزمه أن يتطهر للحدث الواحد مرارا ، وذلك خلاف الأصول في الطهارات .

ودليلنا قوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم [ المائدة : 6 ] إلى قوله : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا [ المائدة : 6 ] فكان الظاهر موجبا أن يتوضأ لكل صلاة فإن لم يجد الماء تيمم لها ، فلما جاء النص بالوضوء بجواز الجمع بين الصلوات نفى حكم التيمم على موجب الظاهر ، ولأنها طهارة ضرورة فلم تتسع لأداء فرضين كالمستحاضة في وقتين ، ولا يدخل عليه المسح على الخفين ، لأنها طهارة رخصة ولأنها صلاة فريضة لم يحدث لها وضوءا ، فوجب أن يحدث لها بعد الطلب تيمما كالفرض الأول ، ولأنه شرط من شرائط الصلاة في حال الضرورة ، فوجب أن يلزم إعادته في كل فريضة كالمجتهد في القبلة ، ولأنها طهارة بدل قصرت عن أصلها فعلا ، فوجب أن يقصر عنه وقتا ، كالمسح على الخفين ، ولأن الطهارات على ثلاثة أضرب :

طهارة ترفع الحدث من جميع الأعضاء ، وهو الوضوء الكامل ، فيؤدي به ما شاء من الفرائض والنوافل .

وطهارة ترفع الحدث عن بعض الأعضاء ، وهو المسح على الخفين ، فيقصر بتجديد الوقت عن الوضوء الكامل .

وطهارة لا ترفع الحدث عن شيء من الأعضاء وهو التيمم فوجب أن يكون أخص منها حكما ، وأن لا يؤدى بها إلا فرضا .

وأما الجواب عن الخبر فهو أن ترك الأخذ بظاهره يوجب حمله على ابتداء التيمم دون استدامته ، وأما الجواب عن قياسهم على الوضوء فهو أن الوضوء لما كان طهارة رفاهية ترفع الحدث كان حكمها عاما ، والتيمم لما كان طهارة ضرورية لا ترفع الحدث كان حكمها خاصا ، وأما الجواب عن قياسهم على النوافل فمن وجهين :

[ ص: 259 ] أحدهما : أن النوافل لما كانت تبعا للفرائض جاز أن تؤدى بتيمم الفرض ، ولما لم يكن الفرض تبعا لفرض غيره لم يجزه أن يؤدى فرض بتيمم فرض .

والثاني : أن النوافل لما كثرت وترادفت ، وكانت المشقة لاحقة في إعادة التيمم لكل صلاة منها سقط اعتباره سقوط إعادة قضاء الصلوات عن الحائض ، والمفروضات لما انحصرت ولم تشق إعادة التيمم لكل فرض منها وجب اعتباره ، كوجوب قضاء الصيام على الحائض .

وأما الجواب عن استدلالهم بأن الحدث الواحد لا يتطهر له مرارا فهو أنه لا يمتنع ذلك في الأصول كالحدث في آخر زمان المسح على الخفين يلزم إعادة الطهارة له بعد تقضي زمان المسح وواجد الماء في تضاعيف الصلاة إذا عدمه عند الخروج منها أعاد التيمم ثانية لحدثه الأول ، على أن التيمم لم يكن طهرا للحدث فيمتنع من إحداث طهر ثان ، وإنما كان لأداء الفرض فلم يمتنع أن يتيمم لفرض ثان ، وأما الجواب عن قياسهم على المسح على الخفين فقد جعلنا المسح على الخفين لنا دليلا ثم ما ذكرناه من تقسيم الطهارات لنا كاف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث