الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( و ) يحل للآدمي ( لبس الثوب النجس ) أي المتنجس بدليل قوله بعد وكذا جلد الميتة في الأصح ; لأن تكليف استدامة طهارة الملبوس مما يشق خصوصا على الفقير وبالليل ; ولأن نجاسته عارض سهلة الإزالة .

                                                                                                                            نعم يستثنى من ذلك ما لو كان الوقت صائفا بحيث يعرق فيتنجس بدنه [ ص: 383 ] ويحتاج إلى غسله للصلاة مع تعذر الماء وقال الأذرعي : الظاهر حرمة المكث به في المسجد من غير حاجة إليه ; لأنه يجب تنزيه المسجد عن النجاسة ( في غير الصلاة ) المفروضة ( ونحوها ) كطواف مفروض وخطبة جمعة ، بخلاف لبسه في ذلك بعد الشروع فيه فيحرم سواء أكان الوقت متسعا أم لا لقطعه الفرض ، بخلاف النفل فإنه لا يحرم لجواز قطعه ومعلوم أن لبسه في أثناء طواف مفروض بنية قطعه جائزة وبدونه ممتنع ، أما إذا لبسه قبل أن يحرم بنفل أو فرض غير مضيق ، أو بعد تحرمه بنفل واستمر فالحرمة على تلبسه بعبادة فاسدة ، أو استمراره فيها لا على لبسه فافهم ( لا جلد كلب وخنزير ) ، أو فرع أحدهما فلا يحل لبسه لأحد ، إذ لا يجوز الانتفاع بالخنزير في حياته بحال وكذا بالكلب إلا في أغراض مخصوصة فبعد موتهما أولى ( إلا لضرورة كفجأة قتال ) وخوف على عضو له أو لغيره من نحو حر ، أو برد شديد ولم يجد غيره مما يقوم مقامه فإنه يجوز كما يجوز تناول الميتة عند الاضطرار ، ويجوز تغشية الكلاب والخنازير بذلك لمساواة ما ذكر لهما في التغليظ ، وليس إلباس الكلب الذي لا يقتنى ، أو الخنزير جلد مثله مستلزما لاقتنائه ، ولو سلم فإثمه على الاقتناء دون الإلباس على أنه قد يجوز اقتناؤه لمضطر احتاج إلى حمل شيء عليه أو ليدفع به عن نفسه نحو سبع ، أو يكون ذلك لأهل الذمة فإنهم يقرون عليها ، أو لمضطر تزود به ليأكله كما يتزود بالميتة ، فله حينئذ أن يجلله كما هو ظاهر ، وبذلك ادفع استشكال الإسعاد والتنظير فيه ، ويؤيد ما أشرنا إليه ما في المجموع من التفصيل بين كلب يقتنى وخنزير لا يؤمر بقتله وبين غيرهما ، لكن تقييده بالمقتنى وبما لا يؤمر بقتله ليس لإخراج غيرهما مطلقا بل ; لأنه قد يحرم تجليله إن تضمن اقتناؤه المحرم ، وقد لا يحرم إن لم يتضمنه ، أما تغشية غير الكلب والخنزير وفرعهما ، أو فرع أحدهما مع الآخر بجلد واحد منهما فلا يحل ، بخلاف تغشيته بغير جلدهما من الجلود النجسة فإنه جائز ( وكذا ) ( جلد الميتة ) قبل الدبغ من غيرهما لا يحل لبسه أيضا ( في الأصح ) في بدن الآدمي ، أو جزئه ، أو فوق ثوبه لما عليه من التعبد في اجتناب النجاسة لإقامة العبادة ، وقضية العلة أن غير المميز كالدابة ، ويحتمل خلافه اعتبارا بما من شأنه ذلك وهو الأوفق بإطلاقهم ، ويستثنى العاج فيحل مع الكراهة حيث لا رطوبة [ ص: 384 ] استعماله في الرأس واللحية كما في المجموع والإحرام .

                                                                                                                            وقول الإسنوي إنه غريب ووهم عجيب فإن هذا التفصيل إنما ذكره الأصحاب في وضع الشيء في الإناء منه فالتبس عليه ذلك بالاستعمال في البدن انتهى هو الغريب والوهم العجيب ، فقد نص على التفصيل المذكور في المشط والإناء الشافعي في البويطي ، وجزم به جمع منهم القاضي أبو الطيب والشيخ أبو علي الطبري والماوردي ، وكأنهم استثنوا العاج لشدة جفافه مع ظهور رونقه ، وجلد الآدمي وإن كان طاهرا وشعره يحرم استعماله كما مر أوائل الكتاب .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : بحيث يعرق فينجس بدنه ) هو شامل للنجاسة الحكمية ، ومثل ثوبه بدنه كما هو ظاهر .

                                                                                                                            وفي شرح الروض ما يفيد أنه يحرم وضع النجاسة الجافة كالزبل على بدنه أو ثوبه بلا حاجة فليحرر .

                                                                                                                            ثم قرر أن من دخل بنجاسة في نحو ثوبه أو نعله رطبة أو غير رطبة إن خاف تلويث المسجد أو لم يكن دخوله لحاجة حرم وإلا فلا ، وقد يستشكل هذا بجواز عبور حائض أمنت التلويث ولو لغير حاجة ، فإن أجيب بعذرها وعدم اختيارها [ ص: 383 ] في خروج هذه النجاسة وجب أن يلحق به كل ذي نجاسة لا اختيار له في حصولها إلا أن يفرق بأن العذر هنا أتم فليحرر .

                                                                                                                            وفي شرح المنهاج لشيخنا : ومع حل لبسه : أي الثوب في غير الصلاة ونحوها يحرم المكث به في المسجد من غير حاجة كما بحثه الأذرعي ا هـ .

                                                                                                                            ثم قرر م ر تحريم دخول من بنحو ثوبه نجاسة المسجد ومكثه فيه من غير حاجة ا هـ سم على منهج ( قوله : ويحتاج إلى غسله للصلاة مع تعذر الماء ) .

                                                                                                                            ينبغي أن يكون محل ذلك إذا دخل الوقت ، أما قبله فلا يحرم عليه لبسه ; لأنه ليس مخاطبا بالصلاة ، ومن ثم إذا كان معه ماء جاز له التصرف فيه قبل دخول الوقت ، وإن علم أنه لا يجد في الوقت ماء ولا ترابا وأن يجامع زوجته قبل دخول الوقت وإن علم ذلك أيضا ( قوله : لا جلد كلب وخنزير ) .

                                                                                                                            [ فرع ] قضية حرمة استعمال نحو جلد الكلب والخنزير وشعرهما لغير ضرورة حرمة استعمال ما يقال له في العرف الشيتة ; لأنها من شعر الخنزير .

                                                                                                                            نعم إن توقف استعمال الكتان عليها ولم يوجد ما يقوم مقامها فهذا ضرورة مجوزة لاستعمالها ، وعلى هذا لو تندى الكتان فهل يجوز استعمالها ويعفى عن ملاقاته لها حينئذ مع نداوته ؟ قال م ر : ينبغي الجواز إن توقف الاستعمال عليها .

                                                                                                                            وأقول : ينبغي أن يقيد الجواز بما إذا لم يمكن تجفيف الكتان وعمله عليها جافا فليتأمل .

                                                                                                                            ومشى شيخنا في شرح المنهاج على جواز استعمال جلد الكلب والخنزير في غير اللبس كالجلوس ، ثم قال : وإن قال الزركشي المذهب المنصوص أنه لا ينتفع بشيء منهما ا هـ سم على منهج ( قوله : فلا يحل لبسه ) خرج به الفرش فيجوز وبه صرح حج كما مر ( قوله : وهو الأوفق بإطلاقهم ) معتمد ( قوله ويستثنى العاج ) وهو أنياب الفيلة ، قال الليث : ولا يسمى غير الناب عاجا ، والعاج ظهر السلحفاة البحرية ، وعليه [ ص: 384 ] يحمل أنه كان لفاطمة رضي الله عنها سوار من عاج ، ولا يجوز حمله على أنياب الفيلة لأن أنيابها ميتة بخلاف السلحفاة ، والحديث حجة لمن يقول بالطهارة ا هـ مصباح ( قوله : استعماله في الرأس إلخ ) وينبغي جواز حمله لقصد استعماله عند الاحتياج إليه ، ومعلوم أن محل ذلك في غير الصلاة ونحوها ، أما فيهما فلا يجوز لوجوب اجتناب النجاسة فيهما في البدن والثوب والمكان ( قوله : وإلا حرم ) لما فيه من تنجيس الرأس واللحية ( قوله : وجلد الآدمي ) أي ولو حربيا خلافا لحج




                                                                                                                            الخدمات العلمية