الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  4360 158 - حدثنا إسحاق، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها، ثم قرأ الآية.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  هذا طريق آخر عن أبي هريرة، أخرجه عن إسحاق، ذكر أبو مسعود الدمشقي وأبو نعيم الحافظان أنه ابن منصور الكوسج أبو يعقوب المروزي، وفي نسخة من كتاب خلف الواسطي رواه يعني البخاري، عن إسحاق بن نصر يعني السعدي، قلت: إسحاق هذا هو ابن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السعدي البخاري كان ينزل بالمدينة بباب بني سعد، يروي عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، عن معمر بن راشد، عن همام بتشديد الميم ابن منبه الأنباري الصنعاني.

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه مسلم في الإيمان، عن محمد بن رافع.

                                                                                                                                                                                  واختلف في أول الآيات، ففي مسلم عن ابن عمران: أول الآيات خروجا طلوع الشمس وخروج الدابة، وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا منها.

                                                                                                                                                                                  وروى نعيم بن حماد من حديث إسحاق بن أبي فروة، عن يزيد بن أبي غياث سمع أبا هريرة مرفوعا: خمس لا يدرى أيتهن أول الآيات، وأيتهن جاءت لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ويأجوج ومأجوج، والدخان والدابة، وقيل: خروج الدجال. ويرجحه قوله صلى الله عليه وسلم: إن الدجال خارج فيكم لا محالة، فلو كانت الشمس طلعت قبل ذلك من مغربها لم ينفع اليهود إيمانهم أيام عيسى عليه السلام، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدا بإسلام من أسلم منهم، فإذا قبض عيسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين يبقى الناس حيارى سكارى فيرجع أكثرهم إلى الكفر والضلالة، ويستولي أهل الكفر على من بقي من أهل الإسلام، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها، وعند ذلك يرفع الكتاب العزيز، ثم يأتي الحبش إلى الكعبة المشرفة فيهدمونها، ثم تخرج الدابة، ثم الدخان، ثم الريح، ثم الرياح تلقي الكفار في البحر، ثم النار التي تسوق الناس إلى المحشر، ثم الهدة.

                                                                                                                                                                                  قلت: الهدة صوت يقع من السماء، وقيل: الخسف.

                                                                                                                                                                                  وروى ابن خالويه في أماليه من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي حميد الحميري، عن ابن عمر مرفوعا: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة. ورواه نعيم [ ص: 231 ] ابن حماد في كتابه عن وكيع، عن إسماعيل موقوفا، وذكر نحوه ابن عباس مرفوعا فيما ذكره ابن النقيب. وروى نعيم بن حماد من حديث حماد بن سلمة بن زيد، عن العريان بن الهيثم سمع عبد الله بن عمر قال: لا تقوم الساعة حتى تعبد العرب ما كان يعبد آباؤها عشرين ومائة عام بعد نزول عيسى وبعد الدجال.

                                                                                                                                                                                  ومن حديث ابن لهيعة إلى ابن عمر أن الشمس والقمر يجتمعان في السماء في منزلة واحدة بالعشي، فيكون النهار سرمدا عشرين سنة. وعن وهب: طلوع الشمس الآية العاشرة وهي آخر الآيات، ثم تذهل كل مرضعة عما أرضعت. وعن ابن لهيعة إلى عبد الله مرفوعا: لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج إلا قليلا حتى تطلع الشمس من مغربها، فيقول من لا خلاق له: "ما نبالي إذا رد الله عليها ضوءها من حيث ما طلعت من مشرقها أو مغربها" الحديث، وفي آخره "ويخر إبليس ساجدا ويقول لأعوانه: هذه الشمس قد طلعت من مغربها وهو الوقت المعلوم ولا عمل بعد اليوم". ويصير الشياطين ظاهرين في الأرض حتى يقول الرجل: هذا قريني الذي كان يغويني، الحمد لله الذي أخزاه وأراحني منه، فلا يزال إبليس -عليه اللعنة- ساجدا باكيا حتى تخرج دابة الأرض فتقتله.

                                                                                                                                                                                  فإن قلت: ما الحكمة في عدم نفع الإيمان عند طلوع الشمس من مغربها؟ قلت: لوقوع الفزع في قلوبهم بما يخمد به كل شهوة من شهوات النفس، وفتور كل قوة من قوى البدن، فيصيرون في حالة من حضره الموت لانقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي، فمن تاب في مثل هذه الحالة كمن تاب عند الغرغرة، ففي ذلك الوقت كأنهم شاهدوا مقاعدهم من النار أو الجنة فلم ينفعهم إيمانهم; لأنا مكلفون بالإيمان بالغيب فلا ينفع الإيمان عند المشاهدة.

                                                                                                                                                                                  فإن قلت: ما الحكمة في طلوعها من المغرب؟

                                                                                                                                                                                  قلت: الحكمة فيه إبطال قول الملاحدة والمنجمين لما قال إبراهيم عليه السلام لنمرود: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب حيث أنكروا ذلك، وادعوا أنه لا يقع ولا يتصور.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية