الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

87 - وعن عمران بن الحصين - رضي الله عنهما : أن رجلين من مزينة قالا : يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ، ويكدحون فيه ؟ أشيء قضي عليهم ، ومضى فيهم من قدر سبق ، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم ، وثبتت الحجة عليهم ؟ فقال : لا ؟ بل شيء قضي عليهم ، ومضى فيهم ، وتصديق ذلك في كتاب الله - عز وجل - : ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) رواه مسلم .

التالي السابق


87 - ( وعن عمران بن الحصين ) : مصغرا رضي الله عنهما يكنى أبا نجيد بضم النون ، وفتح الجيم ، وسكون الياء بعدها دال مهملة الخزاعي الكعبي ، أسلم عام خيبر سكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين ، وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم أسلم هو وأبوه ، روى عنه أبو رجاء ، ومطرف ، وزرارة بن أبي أوفى ( أن رجلين من مزينة ) : بالتصغير اسم قبيلة ( قالا : يا رسول الله أرأيت ) أي : أخبرني من إطلاق اسم السبب على المسبب لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها ، والهمزة فيه مقررة أي : قد رأيت ذلك فأخبرني به ( ما يعمل الناس ) : من الخير ، والشر ( اليوم ) أي : في الدنيا ( ويكدحون له ؟ ) أي : يسعون في تحصيله بجهد وكد ( أشيء ) : خبر مبتدأ محذوف أي : أهو شيء ( قضي عليهم ) : بصيغة المجهول أي : قدر فعله عليهم ( ومضى فيهم ) : بصيغة الفاعل أي : نفد في حقهم ( من قدر سبق ) أي : في الأزل ، ومن إما بيانية الشيء ، ويكون القضاء والقدر شيئا واحدا كما قاله بعضهم ، أو على الإطلاق اللغوي ، وإما تعليلية متعلقة بقضى ، أي : قضي عليهم لأجل قدر سبق ، وإما ابتدائية أي : القضاء نشأ ، وابتدأ من خلق مقدر ، فيكون القدر سابقا على القضاء قال في النهاية : المراد بالقدر التقدير ، وبالقضاء الخلق [ ص: 160 ] لقوله تعالى : ( فقضاهن سبع سماوات ) فالقضاء والقدر متلازمان لأن أحدهما ، وهو القدر بمنزلة الأساس ، والأساس وهو القضاء بمنزلة البناء . وقال الراغب : القضاء من الله تعالى أخص من القدر ؛ لأنه الفصل بين التقدير والقدر ، والقضاء هو الفصل والقطع ، وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل ، والقضاء بمنزلة الكيل ، وهذا لما قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما لما أراد الفرار من الطاعون بالشام : أتفر من القضاء ؟ قال : أفر من قضاء الله إلى قدر الله ، تنبيها على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجو أن يدفعه الله ، فأما إذا قضي فلا يندفع ، ويشهد لذلك قوله تعالى : ( وكان أمرا مقضيا ) وقوله : حتما مقضيا تنبيها على أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه ، وهذا مخالفة لما نقلناه عن القاضي في حديث جبريل عليه السلام . قال بعض العارفين : القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه ، والقضاء كرسمه تلك الصورة للتلميذ بالأسرب ، ووضع التلميذ الصبغ عليها متبعا لرسم الأستاذ هو الكسب والاختيار ، والتلميذ في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ كذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر . ( أو فيما يستقبلون به ) .

قال السيد جمال الدين : كذا وقع بصيغة المجهول في أصل سماعنا من صحيح مسلم ، وهو الأرجح معنى أيضا ، لكن وقع في أكثر نسخ المشكاة بصيغة المعروف . وقال الطيبي : كذا يعني ، أو في صحيح مسلم ، وكتاب الحميدي ، وجامع الأصول ، ووقع في نسخ المصابيح أم فيما يستقبلون . قيل : على كلتا الروايتين ليس السؤال عن تعيين أحد الأمرين ؛ لأن جوابه - عليه الصلاة والسلام - ، وهو قوله : ( لا ) غير مطابق له ، فنقول أم منقطعة ، وأو بمعنى بل ، فإن السائل لما رأى أن الرسل يأمرون أممهم ، وينهون اعتقد أن الأمر أنف كما زعمت المعتزلة فأضرب عن السؤال الأول ، والهمزة للتقدير والإثبات ، فلذلك نفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أثبته وقرره ، وأكده بـبل ، ولو كان السؤال عن التعيين لقال السائل أشيء قضي عليهم أم شيء يستقبلونه ؟ وقيل : كان حق العبارة أشيء قضي علينا أم شيء نستقبله بالتكلم ؟ فغير العبارة وعدل عن التكلم إلى الغيبة ، وعمم الأمم كلها ، وأنبياءهم ، فدل ذلك على صحة ما قيل من الإضراب ، وقيل : وهو الأظهر أن المعنى أم شيء لم يقض عليهم في الأزل ، بل هو كائن فيما يستقبلون من الزمان فيه يتوجهون إلى العمل ، ويقصدون من غير سبق تقدير قبل ذلك ( مما أتاهم ) أي : جاءهم ( به نبيهم ) : الباء للتعدية ، ولفظ من فيما أتاهم بيان لما في قوله : ما يعمل الناس ، أو بيان لما في قوله : ما يستقبلون ، والأول أولى كما قال السيد جمال الدين ( وثبتت الحجة عليهم ) : قال تعالى : ( قل فلله الحجة البالغة ( فقال : لا ) أي : لا تردد ( بل شيء قضي ) أي : قدر ( عليهم ، ومضى ) أي : سبق فيهم ، وتصديق ذلك ) : إشارة إلى ما ذكر أنه قضي عليهم في كتاب الله عز وجل : ( ونفس ) : بالجر على الحكاية ( وما سواها فألهمها فجورها ، وتقواها ) : وجه الاستدلال من النبي ، صلى الله عليه وسلم بالآية أن ألهمها بلفظ الماضي يدل على أن ما يعملونه من الخير والشر قد جرى في الأزل ، والواو في ( ونفس ) للقسم على المقسم به ، والمراد نفس آدم ؛ لأنه الأصل فالتنوين للتقليل ، وقيل المراد جميع النفوس كقوله تعالى : ( علمت نفس ما أحضرت ) فالتنوين للتنكير ، وما في ( ما سواها ) . بمعنى من أي : ومن خلقها يعني به ذاته تعالى أي : خلقها على أحسن صورة ، وزينها بالعقل والتمييز ، وفي الحديث : ( اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها فأنت خير من زكاها أنت وليها ، ومولاها ) . ( رواه مسلم ) .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث