الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وعلوه سبحانه وتعالى كما هو ثابت بالسمع ، ثابت بالعقل والفطرة ، أما ثبوته بالعقل ، فمن وجوه :

أحدها : العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين ، إما أن يكون أحدهما ساريا في الآخر قائما به كالصفات ، وإما أن يكون قائما بنفسه بائنا من الآخر .

الثاني : أنه لما خلق العالم ، فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجا عن ذاته ، والأول باطل : أما أولا : فبالاتفاق ، وأما ثانيا : فلأنه يلزم أن يكون محلا للخسائس والقاذورات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

[ ص: 390 ] والثاني يقتضي كون العالم واقعا خارج ذاته ، فيكون منفصلا ، فتعينت المباينة ، لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه - غير معقول .

الثالث : أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه - : يقتضي نفي وجوده بالكلية ، لأنه غير معقول : فيكون موجودا إما داخله وإما خارجه . والأول باطل فتعين الثاني ، فلزمت المباينة .

وأما ثبوته بالفطرة ، فإن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء ، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى . وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمذاني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين ، وهو يتكلم في نفي صفة العلو ، ويقول : كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان ! فقال الشيخ أبو جعفر : أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ؟ فإنه ما قال عارف قط : يا الله ، إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو ، لا يلتفت يمنة ولا يسرة ، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا ؟ قال : فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل ! وأظنه قال : وبكى ! وقال : حيرني الهمذاني حيرني ! أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله عليه عباده ، من غير أن يتلقوه من المعلمين ، [ ص: 391 ] يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو .

وقد اعترض على الدليل العقلي بإنكار بداهته ، لأنه أنكره جمهور العقلاء ، فلو كان بديهيا لما كان مختلفا فيه بين العقلاء ، بل هو قضية وهمية خيالية .

والجواب عن هذا الاعتراض مبسوط في موضعه ، ولكن أشير إليه هنا إشارة مختصرة ، وهو أن يقال : إن العقل إن قبل قولكم فهو لقولنا أقبل ، وإن رد العقل قولنا فهو لقولكم أعظم ردا ، فإن كان قولنا باطلا في العقل ، فقولكم أبطل ، وإن كان قولكم حقا مقبولا في العقل ، فقولنا أولى أن يكون مقبولا في العقل . فإن دعوى الضرورة مشتركة .

فإنا نقول : نعلم بالضرورة بطلان قولكم ، وأنتم تقولون كذلك ، فإذا قلتم : تلك الضرورة التي تحكم ببطلان قولنا هي من حكم الوهم لا من حكم العقل ، قابلناكم بنظير قولكم ، وعامة فطر الناس ، - ليسوا منكم ولا منا - يوافقونا على هذا ، فإن كان حكم فطر بني آدم مقبولا ترجحنا عليكم ، وإن كان مردودا غير مقبول بطل قولكم بالكلية ، فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما تدعون أنه مقدمات معلومة بالفطرة الآدمية ، وبطلت عقلياتنا أيضا ، وكان السمع الذي جاءت به الأنبياء معنا لا معكم ، فنحن مختصون بالسمع دونكم ، والعقل مشترك بيننا وبينكم .

فإن قلتم : أكثر العقلاء يقولون بقولنا ؟ قيل : ليس الأمر كذلك ، فإن الذين يصرحون بأن صانع العالم ليس فوق العالم وليس فوق [ ص: 392 ] العالم شيء موجود ، وأنه لا مباين للعالم ولا حال في العالم - : طائفة من النظار ، وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام جهم بن صفوان وأتباعه .

التالي السابق


الخدمات العلمية