الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وغير الفدية والصيد مرتب [ ص: 369 ] هدي ، وندب إبل فبقر ، ثم صيام ثلاثة أيام من إحرامه ، وصام أيام منى [ ص: 370 ] بنقض بحج [ ص: 371 ] إن تقدم على الوقوف ، وسبعة إذا رجع من منى ولم تجز إن قدمت على وقوفه : [ ص: 372 ] كصوم أيسر قبله ، أو وجد مسلفا لمال ببلده ، وندب الرجوع له بعد يومين .

التالي السابق


شرع في الكلام على الهدي فقال ( وغير الفدية ) الواجبة فيما يترفه أو يزيل أذى ( و ) غير جزاء ( الصيد ) وهو ما يجب لقران أو تمتع أو ترك واجب في حج أو عمرة أو غيرها ( مرتب ) مرتبتين لا ثالث لهما لا ينتقل عن أولاهما إلا بعد عجزه عنها دم ثم [ ص: 369 ] صيام عشرة أيام ويقال له ( هدي ) بفتح فسكون ( وندب ) بضم فكسر مع القدرة على أنواع النعم ( إبل ) فهو أفضل الهدايا ( فبقر ) يلي الإبل في الفضل فضأن فمعز فحذف مرتبة لها نوعان أولهما مقدم ندبا ; لأنها لا أفضلية لها ; إذ لا مرتبة بعدها .

( ثم ) إن عجز عن الدم ( صيام ثلاثة أيام ) أول وقتها ( من إحرامه ) بالحج إلى يوم العيد ( و ) إن فاته صومها فيما بينهما ( صام أيام منى ) الثلاثة التي تلي يوم العيد ولا يجوز تأخيره إليها إلا لعذر ، ولعل هذا حكمه قوله وصام إلخ ولم يقل ولو أيام منى كما قاله سابقا . وتردد ابن المعلى وابن فرحون في صومها أيام منى هل هو أداء أو قضاء ولا منافاة بين منع تأخيره إليها وكونه أداه ، إذ هو كالصلاة في الضروري قال فيه وأثم إلا لعذر والكل أداء أفاده عب .

طفي وهو قصور منهما وممن نقله عنهما ففي المنتقى ، قال أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنهم إن صيام أيام منى على وجه القضاء ، والأظهر من المذهب أنه على وجه الأداء وإن كان الصوم قبلها أفضل كوقت الصلاة الذي فيه سعة للأداء ، وإن كان أوله أفضل من آخره ونحوه للخمي ونحوه قول ابن رشد لا ينبغي له أن يؤخر وإن أيس من وجود الهدي قبل يوم النحر بثلاثة لا ينبغي تأخير صومه عنها ، فقول عب وعج يأثم بالتأخير لأيام منى لغير عذر غير ظاهر ، وإن نسباه لبعض شراح الرسالة ; لأنه غير معتمد عليه والمراد به أبو الحسن ولم يعزه لأحد .

وقال ابن عرفة : الاستحباب كمال صومها قبل يوم عرفة ، وفي المدونة وله أن يصوم الثلاثة الأيام ما بينه وبين يوم النحر ، فإن لم يصمها قبل يوم النحر أفطر يوم النحر وصام الأيام الثلاثة التي بعده . ا هـ . فلو كان صومها قبل يوم النحر واجبا ويأثم بالتأخير ما قالت وله .

والحاصل أن الأظهر من المذهب كمال قال الباجي إن صيامها قبل يوم النحر مفضل لا [ ص: 370 ] واجب والله أعلم . واغتفر صومها مع ورود النهي عنه للضرورة . ابن رشد اختلف فيمن يجب عليه صيام ثلاثة في الحج هل هو القارن والمتمتع فقط أو هما ، ومن أفسد حجه أو فاته أو هم ، ومن وجب عليه الدم بترك شيء من حجه من يوم إحرامه إلى حين وقوفه رابعها أو لترك ذلك ولو بعد وقوفه . وفائدة الخلاف وجوب صوم من لم يصم قبل يوم عرفة أيام منى ومنعه . ا هـ . ونقله ابن عرفة والمصنف في توضيحه وأقراه .

( بنقص بحج ) تنازع فيه صيام وصام فأعمل الثاني في اللفظ لقربه والأول في ضميره وحذفه ; لأنه فضلة فمراده أن كون النقص قبل الوقوف بعرفة شرط في أمرين : أحدهما : كون صوم الثلاثة من إحرامه إلى يوم النحر . والثاني : كونه إن فاته ذلك صام أيام منى ويحتمل تعلقه بصام فقط وذلك أنه لما قال وصيام ثلاثة من إحرامه فبين به المبدأ ، فكأنه قيل له فأين الغاية فأجاب بقوله وصام أيام منى بنقص بحج إن تقدم على الوقوف . ويرجح هذا أن من نقص في يوم عرفة أو ما بعده يستحيل أن يصوم له قبله فلا يحتاج لذكره إلا أن قوله بحج يكون فيه على هذا قلق .

واحترز به من العمرة وما أبين قول ابن الحاجب ، فإن كان عن نقص متقدم على الوقوف كالتمتع والقران والفساد والفوات وتعدى الميقات صام ثلاثة أيام في الحج من حين يحرم به إلى يوم النحر ، فإن أخرها إليه فأيام التشريق ثم قال وإن كان عن نقص بعد الوقوف كترك مزدلفة أو رمي أو حلق أو مبيت منى أو وطئ قبل الإفاضة أو [ ص: 371 ] الحلق صام متى شاء ، وكذلك صيام وهدي العمرة كذلك من مشى في نذر إلى مكة فعجز ، وإنما اعتمد ابن الحاجب قوله فيها وإنما يصوم ثلاثة أيام في الحج كما ذكرنا المتمتع والقارن من تعدى ميقاته أو أفسد حجه أو فاته الحج . وأما من لزمه ذلك لترك جمرة أو لترك النزول بالمزدلفة فليصم متى شاء . وكذلك الذي وطئ أهله بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة ; لأنه إنما يصوم إذا اعتمر بعد أيام منى . ومن مشى في نذر إلى مكة فعجز فليصم متى شاء ; لأنه يقضي في غير حج فكيف لا يصوم في غير حج .

أبو الحسن أي : يقضي مشيه أماكن ركوبه في غير إحرام قبل الميقات ، ويحتمل أن يريد يقضي مشيه في عمرة إذا أبهم يمينه أو نذره كما نص عليه في كتاب النذر . ا هـ . وما سلكه ابن الحاجب إحدى طرق ثلاثة وقد حصلها في التوضيح فتأملها فيه لعلك تستعين بها على ما عقده هنا ، والله أعلم قاله ابن غازي .

( إن تقدم ) النقص على الوقوف بعرفة كتمتع وقران وتعدي ميقات وترك طواف قدوم ( وسبعة ) من الأيام مجرور عطف على ثلاثة أي : على العاجز عن الدم صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة ( إذا رجع ) ولو أخر صومها عن رجوعه ( من منى ) لم يقل لمكة مع أنه المراد ، ولو لم يقم بها لئلا يتوهم شموله لرجوعه لها يوم النحر لطواف الإفاضة وأنه يصوم أيام منى الثلاثة من جملة السبعة مع أنه لا يصومها إن كان قد صام الثلاثة قبل أيام منى ، والمراد بالرجوع من منى الفراغ من الرمي ليشمل أهل منى ومن أقام بها . ومفهوم الشرط أن النقص إن تأخر عن الوقوف كترك النزول بالمزدلفة أو ترك رمي أو حلق أو كان وقته كهدي المار بعرفة الناوي به الوقوف ، وكإنزال ابتداء وإمذائه حين وقوفه أو أخر الثلاثة حتى فاتت أيام منى فإنه يصومها مع السبعة متى شاء .

( ولم تجز ) بضم فسكون لا تكفي السبعة ( إن قدمت ) بضم فكسر مثقلا أي : السبعة أو شيء منها ( على وقوفه ) وكذا المقدم منها على رجوعه من منى قاله سند لقوله تعالى [ ص: 372 ] { إذا رجعتم } ولا يحتسب من السبعة التي صامها قبل وقوفه بثلاثة قاله تت مقتصرا عليه . وقال عج فيه خلاف فإن صام العشرة كلها قبل وقوفه فقال الحط الظاهر اكتفاؤه بثلاثة منها ، ولا يخالف ما تقدم عن تت لاختلاف موضوعهما ويندب تأخير صوم السبعة إلى أن يرجع إلى وطنه ليخرج من الخلاف في معنى قوله تعالى { إذا رجعتم } هل المعنى للأهل قاله غير مالك ، أو لمكة قاله مالك رضي الله تعالى عنه . فإن استوطن مكة صام بها اتفاقا .

وشبه في عدم الإجزاء فقال ( كصوم أيسر قبله ) أي : قبل شروعه فيه أو بعده وقبل كمال يوم فلا يجزئه فيلزمه الرجوع للدم ; لأنه صار واجده ويجب عليه تكميل صوم اليوم الذي أيسر فيه ( أو وجد ) من عليه الهدي ( مسلفا لمال ) يهدي به وينظره بالقضاء من مال له ( ببلده ) ; لأنه صار موسرا حكما ، فإن لم يجد كذلك فيصوم ولا يؤخر حتى يرجع لبلده ولا لمال يرجوه بعد خروج أيام منى ; لأنه مخاطب بالصوم في الحج

( وندب ) بضم فكسر ( الرجوع ) من الصوم ( له ) أي : الدم إن أيسر به ( بعد ) صوم ( يومين ) بأن أيسر في ليلة الثالث ، وكذا إن أيسر فيه ، وكذا في ليلة الثاني أو فيه خلافا لما يوهمه كلامه من وجوب الرجوع فيهما ، فالذي يجب رجوعه ولا يكفيه صومه هو الذي أيسر قبل إكمال يوم ، فتحصل أنه يندب الرجوع بعد إكمال يوم وقبل إكمال الثالث ، فإن أيسر بعد إكماله فلا يرجع ; لأن الثلاثة قسيمة السبعة فكأنها نصف العشرة أفاده تت . وهو يقتضي عدم جواز الرجوع للدم بعد الثلاثة . وفي الحط عن ابن رشد لو وجد الهدي بعد صوم الثلاثة لم يجب عليه إلا أن يشاء ا هـ عب .

طفي قوله وندب الرجوع له بعد يومين ونحوه لابن الحاجب ولابن شاس بعد يوم أو يومين ، وأصل ذلك قول اللخمي استحب مالك رضي الله تعالى عنه لمن وجد الهدي قبل أن يستكمل الأيام الثلاثة أن يرجع إليه ، قال وهذا يحسن فيمن قدم الصوم على [ ص: 373 ] الوقت المضيق ا هـ . وانظر هذا مع قولها في كتاب الظهار وإن صام ثلاثة أيام في الحج ثم وجد ثمن الهدي في اليوم الثالث فليمض على صومه ، وإن وجد ثمنه في أول يوم فإن شاء أهدى أو تمادى على صومه فأمره بعد يومين بالتمادي وخيره في أول يوم ، وكل هذا مخالف لما هنا ا هـ البناني .

قد يقال يصح حمل ما ذكره المصنف ومتبوعاه على ما فيها بأن يراد باستحباب الرجوع بعد يومين أي : وقبل الشروع في الثالث كما نقله تت عن ابن ناجي خلافا للخمي ، والمراد بالتخيير الذي فيها عدم اللزوم فلا ينافي الاستحباب وبما ذكر تعلم أن قول ز بوجوب الرجوع للهدي قبل كمال اليوم غير صحيح .




الخدمات العلمية