الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال تعالى : ( قالوا كنا مستضعفين في الأرض ) جوابا عن قولهم : ( فيم كنتم ) وكان حق الجواب أن يقولوا : كنا في كذا ، أو لم نكن في شيء .

                                                                                                                                                                                                                                            وجوابه : أن معنى : ( فيم كنتم ) التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا ، فقالوا : كنا مستضعفين اعتذارا عما وبخوا به ، واعتلالا بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة ، ثم إن الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر ، بل ردوه عليهم فقالوا : ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) . أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ، فبقيتم بين الكفار لا للعجز عن مفارقتهم ، بل مع القدرة على هذه المفارقة ، فلا جرم ذكر الله تعالى وعيدهم ، فقال : ( فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم استثنى تعالى فقال : ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ) ونظيره قول الشاعر :


                                                                                                                                                                                                                                            ولقد أمر على اللئيم يسبني

                                                                                                                                                                                                                                            ويجوز أن يكون ( لا يستطيعون ) في موضع الحال ، والمعنى : لا يقدرون على حيلة ولا نفقة ، أو كان بهم مرض ، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك المهاجرة .

                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال : ( ولا يهتدون سبيلا ) أي : لا يعرفون الطريق ، ولا يجدون من يدلهم على الطريق . روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة ، فقال جندب بن ضمرة لبنيه : احملوني فإني لست من المستضعفين ، ولا أني لا أهتدي الطريق ، والله لا أبيت الليلة بمكة . فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة ، وكان شيخا كبيرا ، فمات في الطريق .

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قيل : كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد ، فإن الاستثناء إنما يحسن لو كانوا [ ص: 12 ] مستحقين للوعيد على بعض الوجوه ؟ .

                                                                                                                                                                                                                                            قلنا : سقوط الوعيد إذا كان بسبب العجز ، والعجز تارة يحصل بسبب عدم الأهبة وتارة بسبب الصبا ، فلا جرم حسن هذا إذا أريد بالولدان الأطفال ، ولا يجوز أن يراد المراهقون منهم الذين كملت عقولهم لتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله تعالى ، وإن أريد العبيد والإماء البالغون فلا سؤال .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية