الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ تعاليق الصحيحين ] ( و ) كذا ( لهما ) في صحيحيهما ( بلا سند ) أصلا ، أو كامل ; حيث أضيف لبعض رواته إما الصحابي أو التابعي فمن دونه ، مع قطع السند مما يليهما ( أشيا ) بالقصر للضرورة ; كأن يقال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أو قال ابن عباس ، أو عكرمة ، أو الزهري والجمع بالنظر إليهما معا ; إذ ليس عند مسلم بعد المقدمة مما لم يوصله فيه سوى موضع واحد ، والحكم في ذلك مختلف .

( فإن يجزم ) المعلق منهما بنسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو غيره ممن أضافه إليه ( فصحح ) أيها الطالب إضافته لمن نسب إليه ; فإنه لن يستجيز إطلاقه إلا وقد صح عنده عنه ، ولا التفات لمن نقض هذه القاعدة ، بل هي صحيحة مطردة ، لكن مع عدم التزام كونه على شرطه .

( أو ) لم يأت المعلق بالجزم ، بل ( ورد ممرضا فلا ) تحكم له بالصحة عنده عن المضاف إليه ، بمجرد هذه الصيغة ; لعدم إفادتها ذلك ، وحينئذ فلا ينتقد بما وقع بها مع وصله له في موضع آخر من كتابه .

على أن شيخنا - وهو من أئمة الاستقراء خصوصا في هذا النوع - أفاد أنه لا يتفق له مثل ذلك ، إلا حيث علقه بالمعنى ، أو اختصره ، وجزم بأن ما يأتي به بصيغة التمريض - أي : فيما عداه - مشعر بضعفه عنده إلى من علقه عنه ; لعلة خفية فيه ، وقد لا تكون قادحة ، ولذلك فيه ما هو حسن ، بل وصحيح عند بعض الأئمة ، بل رواه مسلم في صحيحه ، وما قاله هو التحقيق ، وإن أوهم صنيع ابن كثير خلافه .

( ولكن ) حيث تجردت ، فإيراد صاحب الصحيح للمعلق الضعيف كذلك في أثناء صحيحه ( يشعر بصحة الأصل له ) إشعارا يؤنس به ، ويركن إليه .

وألفاظ التمريض كثيرة ( كيذكر ) ويروى وروي ، ويقال ، وقيل ، [ ونحوها ، واستغنى بالإشارة إلى بعضها عن أمثلة الجزم ; كذكر ، وزاد ، وروى ، وقال ] وغيرها لوضوحه ، حتى نقل النووي اتفاق محققي المحدثين وغيرهم على اعتبارهما كذلك ، وأنه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف ; لأنها صيغة تقتضي صحته عن المضاف إليه ، فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صح .

قال : " وقد أهمل ذلك كثير من المصنفين من الفقهاء وغيرهم ، واشتد إنكار البيهقي على من خالف ذلك ، وهو تساهل قبيح جدا من فاعله ; إذ يقول في الصحيح : يذكر ويروى ، وفي الضعيف قال : وروى ، وهذا قلب للمعاني ، وحيد عن الصواب .

قال : وقد اعتنى البخاري ، رحمه الله ، باعتبار هاتين الصيغتين ، وإعطائهما حكمهما في صحيحه ; فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض ، وبعضه بجزم ، واعيا لما ذكرنا ، وهذا مشعر بتحريه وورعه " . انتهى . وسيأتي المسألة في التنبيهات التي بآخر المقلوب .

والحاصل أن المجزوم به يحكم بصحته ابتداء ، وما لعله يكون كذلك من الممرض إنما يحكم عليه بها بعد النظر ; لوجود الأقسام الثلاثة فيه فافترقا ، وإذا حكمت للمجزوم به بالصحة ، فانظر فيمن أبرز من رجاله ، تجد مراتبه مختلفة ; فتارة تلتحق بشرطه ، وتارة تتقاعد عن ذلك .

وهو إما أن يكون حسنا صالحا للحجة ; كالمعلق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، رفعه : الله أحق أن يستحيى منه من الناس ، فهو حسن مشهور عن بهز ، أخرجه أصحاب السنن ، بل ويكون صحيحا عند غيره .

وقد يكون ضعيفا ، لكن لا من جهة قدح في رجاله ، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده ; كالمعلق عن طاوس : قال : قال معاذ : فإن إسناده إلى طاوس صحيح ، إلا أنه لم يسمعه من معاذ ، وحينئذ فإطلاق الحكم بصحتها ممن يفعله من الفقهاء ليس بجيد .

والأسباب في تعليق ما هو ملتحق بشرطه : إما التكرار ، أو أنه أسند معناه في الباب ، ولو من طريق آخر ، فنبه عليه بالتعليق اختصارا ، أو أنه لم يسمعه ممن يثق به بقيد العلو ، أو مطلقا ، وهو معروف من جهة الثقات عن المضاف إليه ، أو سمعه لكن في حالة المذاكرة ، فقصد بذلك الفرق بين ما يأخذه عن مشائخه في حالة التحديث أو المذاكرة احتياطا .

وفي المتقاعد عن شرطه : إما كونه في معرض المتابعة ، أو الاستشهاد المتسامح في إيراده مطلقا ، فضلا عن التعليق ، أو أنه نبه به على موضع يوهم تعليل الرواية التي على شرطه ، أو غير ذلك في الطرفين .

وبما تقدم تأيد حمل قول البخاري : " ما أدخلت في كتابي إلا ما صح " على مقصوده به ، وهو الأحاديث الصحيحة المسندة ، دون التعاليق والآثار الموقوفة على الصحابة فمن بعدهم ، والأحاديث المترجم بها ونحو ذلك .

وظهر افتراق ما لم يكن بطريق القصد في الحكم عن غيره واستثنائه من إفادة العلم ( وإن يكن أول الإسناد ) - بوصل الهمزة - من جهة صاحب الصحيح مثلا كشيخه فمن فوقه ( حذف ) وأضيف لمن بعد المحذوف مما هو في البخاري كثير ، كما تقدم ( مع صيغة الجزم ) أي : مع الإتيان بها ، بل والتمريض عند جماعة ممن تأخر عن ابن الصلاح ; كالنووي والمزي في أطرافه مما تقدم حكمه في كليهما .

( فتعليقا عرف ) أي : عرف بالتعليق بين أئمة هذا الشأن ; كالحميدي ، والدارقطني ، بل كان أول من وجد في كلامه ، وهو مأخوذ من تعليق الجدار ، والطلاق ونحوه ، لما يشترك فيه الجميع من قطع الاتصال .

واستبعد شيخنا أخذه من تعليق الجدار ، وأنه من الطلاق وغيره أقرب ، وشيخه البلقيني على خلافه ، ولا يشترط في تسميته تعليقا بقاء أحد من رجال السند ، بل ( ولو ) حذف من أوله ( إلى آخره ) واقتصر على الرسول في المرفوع ، أو على الصحابي في الموقوف - كان تعليقا ، حكاه ابن الصلاح عن بعضهم وأقره .

ولم يذكره المزي في أطرافه ، بل ولا ما اقتصر فيه على الصحابي مع كونه مرفوعا ، وكان يلزمه بخلاف ما لو سقط البعض من أثنائه أو من آخره ، لاختصاصه بألقاب غيره ; كالعضل والقطع والإرسال .

وهل يلتحق بذلك ما يحذف فيه جميع الإسناد ، مع عدم الإضافة لقائل ; كقول البخاري في صحيحه : " وكانت أم الدرداء تجلس في الصلاة جلسة الرجل ، وكانت فقيهة " وهو عنده في تأريخه الصغير ، وعند غيره عن مكحول ؟ الظاهر نعم ، وحكمه من غير ملتزمي الصحة الانقطاع ، ولذا ذكره ابن الصلاح رابع التفريعات التالية للمنقطع ، ومن ملتزميها ما تقدم قريبا .

[ ما رواه المحدث عن شيخه بـ " قال " ] ( أما ) المصنف ( الذي لشيخه عزا ) ما أورده ( بـ " قال " ) وزاد ونحوهما ( فكـ ) إسناد ( ذي عنعنة ) فيشترط للحكم باتصاله شيئان : لقي الراوي لمن عنعن عنه ، وسلامته من التدليس ، كما سيأتي في بابه .

وأمثلة هذه الصيغة كثيرة ( كخبر المعازف ) بالمهملة والزاء والفاء ; وهي آلات الملاهي ، المروي عن أبي عامر ، أو أبي مالك الأشعري مرفوعا في الإعلام بمن يكون في أمته يستحلها ، ويستحل الحر - بالمهملتين وكسر الأولى مع التخفيف - يعني الزنا ، فإنه اسم لفرج المرأة ، والحرير .

فإن البخاري أورده في الأشربة من صحيحه بقوله : " قال هشام بن عمار : ثنا صدقة بن خالد ، ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر " وساقه سندا ومتنا ، فهشام أحد شيوخ البخاري ، حدث عنه بأحاديث حصرها صاحب ( الزهرة ) في أربعة ، ولم يصف البخاري أحد بالتدليس ، وحينئذ فلا يكون تعليقا ، خلافا للحميدي في مثله ، وإن صوبه ابن دقيق العيد مع حكمه بصحته عن قائله .

وعلى الحكم بكونه تعليقا مشى المزي في أطرافه ، ولم يقل : إن حكمه الانقطاع ، ولكن قد حكم عبد الحق وابن العربي السني بعدم اتصاله .

وقال الذهبي : ( حكمه الانقطاع ) ، ونحوه قول أبي نعيم : ( أخرجه البخاري بلا رواية ) ، وهو مقتضى كلام ابن منده ; حيث صرح بأن " قال " تدليس ، فالصواب الاتصال عند ابن الصلاح ومن تبعه ، فلا تعول على خلافه .

( ولا تصغ لابن حزم ) الحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد ، المنسوب هنا لجد أبيه الأندلسي القرطبي الظاهري ( المخالف ) في أمور كثيرة ، نشأت عن غلطه وجموده على الظاهر ، مع سعة حفظه وسيلان ذهنه ، كما وصفه حجة الإسلام الغزالي .

وقول العز بن عبد السلام : " ما رأيت في كتب الإسلام مثل كتابه " المحلى " ، و " المغني " لابن قدامة " إلى غير ذلك ، وكانت وفاته في شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة ( 456هـ ) عن اثنتين وسبعين سنة .

حيث حكم بعدم اتصاله أيضا ، مع تصريحه في موضع آخر ; بأن العدل الراوي إذا روى عمن أدركه من العدول ، فهو على اللقاء والسماع ، سواء قال : أنا أو ثنا أو عن فلان ، أو قال فلان ، فكل ذلك محمول منه على السماع وهو تناقض ، بل وما اكتفى حتى صرح لأجل تقرير مذهبه الفاسد في إباحة الملاهي بوضعه مع كل ما في الباب ، وأخطأ فقد صححه ابن حبان وغيره من الأئمة .

وقد وقع لي من حديث عشرة من أصحاب هشام عنه ، بل ولم ينفرد به كل من هشام وصدقة وابن جابر .

ثم إنه كان الحامل لهم على الحكم بالانقطاع ما يوجد للبخاري من ذلك مرويا في موضع آخر من ذلك الشيخ بعينه بالواسطة مرة ، وتصريحه بعدم سماعه له منه أخرى ، ولا حجة لهم فيه ، فقد وقع له إيراد بعض الأحاديث عن بعض شيوخه بـ " قال " في موضع ، وبالتصريح في آخر .

وحينئذ فكل ما يجيء عنه بهذه الصيغة محتمل للسماع وعدمه ، بل وسماعه محتمل لأن يكون في حالة المذاكرة أو غيرها ، ولا يسوغ مع الاحتمال الجزم بالانقطاع ، بل ولا الاتصال أيضا ; لتصريح الخطيب - كما سيأتي - بأنها لا تحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه لا يطلقها إلا فيما سمعه ، نعم قال ما حاصله : إن من سلك الاحتياط في رواية ما لم يسمعه بالإجازة أو غيرها من الجهات الموثوق بها - يعني كالمناولة - فحديثه محتج به ، وإن لم يصرح بالسماع ، بناء على الأصل في تصحيح الإجازة . انتهى .

وهذا يقتضي أن يكون في حكم الموصول ، لكن قال أبو نعيم في المستخرج عقب حديث قال فيه البخاري : " كتب إلي محمد بن بشار " : إنه لا يعلم له في كتابه حديثا بالإجازة ، يعني عن شيوخه غيره .

وتوسط بعض متأخري المغاربة ، فوسم الوارد بـ " قال " بالتعليق المتصل من حيث الظاهر المنفصل من حيث المعنى ، لكنه أدرج معها " قال لي " ونحوها مما هو متصل جزما ، ونوزع فيه ، كما سيأتي في أول أقسام التحمل إن شاء الله .

وبالجملة فالمختار الذي لا محيد عنه - كما قاله شيخنا - أن حكم " قال " في الشيوخ مثل غيرها من التعاليق المجزومة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث