الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث التاسع إذا توضأ العبد المومن فمضمض خرجت الخطايا من فيه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

62 [ ص: 30 ] حديث تاسع لزيد بن أسلم مثل الذي قبله

مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله الصنابحي : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا توضأ العبد المومن فمضمض ، خرجت الخطايا من فيه ، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه ، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه ، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه ، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه ، حتى تخرج من تحت أظفار يديه ، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه ، حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له .

التالي السابق


قد تقدم القول في الصنابحي ، وفيمن دونه في هذا الإسناد ، وقال أبو عيسى بن عيسى بن سورة الترمذي : سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث مالك عن زيد [ ص: 31 ] بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إذا توضأ العبد المسلم فمضمض خرجت الخطايا من فيه - الحديث - ؟ فقال : مالك بن أنس وهم في هذا الحديث ، فقال : عبد الله الصنابحي ، وهو أبو عبد الله الصنابحي ، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة ، ولم يسمع من النبي عليه السلام ، والحديث مرسل ، وعبد الرحمن هو الذي روى عن أبي بكر الصديق .

قال أبو عمر :

يستند هذا الحديث أيضا من طرق حسان من حديث عمرو بن عبسة ، وغيره ، وسنذكرها في آخر هذا الباب إن شاء الله .

وفي هذا الحديث من الفقه : إن الوضوء مسنونه ومفروضه جاء فيه مجيئا واحدا ، وإن من شرط المؤمن ، وما ينبغي له إذا أراد الصلاة : أن يأتي بما ذكر في هذا الحديث لا يقصر عن شيء منه ، فإن قصر عن شيء منه كان للمفترض حينئذ حكم ، وللمسنون حكم ، إلا أن العلماء أجمعوا على أن غسل الوجه ، واليدين إلى المرفقين ، والرجلين إلى الكعبين ، ومسح الرأس ، فرض ذلك كله ، لأمر الله به في كتابه المسلم عند قيامه إلى الصلاة إذا لم يكن متوضئا ، لا خلاف علمته في شيء من ذلك إلا في مسح الرجلين وغسلهما على ما نبينه في بلاغات مالك إن شاء الله .

[ ص: 32 ] واختلفوا في المضمضة والاستنثار ، فقالت طائفة : ذلك فرض ، وقال آخرون : ذلك سنة ، وقال بعضهم : المضمضة سنة ، والاستنثار فرض .

وليس في مسند حديث الموطأ ذكر المضمضة إلا في هذا الحديث ، وفي حديث عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد بن عاصم في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا في الموطأ ذكر الأذنين في الوضوء في حديث مسند إلا في حديث الصنابحي هذا .

وقد استدل بعض أهل العلم على أن الأذنين من الرأس ، وأنهما يمسحان بماء واحد مع الرأس بحديث الصنابحي هذا ، لقوله فيه : فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه ، فنذكر أقاويل الفقهاء في ذلك هاهنا ، ونؤخر ذكر المرفقين إلى باب عمرو بن يحيى ، وذكر الكعبين إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ويل للأعقاب من النار ، ونرجئ ذكر القول في مسح الرأس إلى باب عمرو بن يحيى أيضا في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم إن شاء الله .

وجاء في هذا الحديث ذكر الاستنثار ، فنذكره أيضا بعون الله . وكذلك لا أعلم في مسند حديث الموطأ ومرفوعه موضعا أشبه بالقول في الماء المستعمل من هذا الحديث ، ونحن ذاكرو ذلك كله هاهنا ، ونذكر حكم المضمضة والاستنثار أيضا هاهنا ; لأنهما متقاربان في المعنى عند العلماء ، وبالله توفيقنا ، وهو حسبنا لا شريك له .

[ ص: 33 ] فأما الاستنثار والاستنشاق فمعناهما واحد متقارب إلا أن أخذ الماء بريح الأنف هو الاستنشاق ، والاستنثار رد الماء بعد أخذه بريح الأنف أيضا ، وهذه حقيقة اللفظين ، وقد كان مالك يرى أن الاستنثار أن يجعل يده على أنفه ويستنثر ، وقد ذكرنا مذاهب العلماء في ذلك في باب أبي الزناد .

وأكثر أهل العلم يكتفون في هذا المعنى باللفظ الواحد ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اللفظتان جميعا ، وذلك قوله في هذا الحديث : فإذا استنثر ، وقوله في حديث أبي هريرة : إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ، ثم لينثر ولينتثر أو ليستنثر ، ونحو هذا على ما روي في ذلك ، وقوله في حديث أبي هريرة أيضا : من توضأ فليستنثر ، ومن استجمر فليوتر ، وروي من حديث أبي رزين العقيلي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ، ومن حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى [ ص: 34 ] الله عليه وسلم - قال : استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا ومن حديث همام ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره من الماء ، ثم لينتثر ، وقد ذكرنا هذه الآثار بأسانيدها في باب أبي الزناد ، والحمد لله .

فاللفظتان كما ترى مرويتان يتداخلان ، وأهل العلم يعبرون باللفظ الواحد عن الثاني اكتفاء وعلما بالمراد ، فأما اختلافهم في حكمهما ; فإن مالكا ، والشافعي ، وأصحابهما يقولون : المضمضة والاستنشاق سنة ليستا بفرض لا في الجنابة ولا في الوضوء ، وبذلك قال محمد بن جرير الطبري ، وهو قول الأوزاعي ، والليث بن سعد ، وقتادة ، والحكم بن عتبة . وروي أيضا عن الحسن البصري ، والزهري ، وربيعة ويحيى بن سعيد وقتادة ، والحكم بن عتبة : فمن توضأ ، وتركهما ، وصلى ، فلا إعادة عليه عند واحد من هؤلاء المذكورين

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري : هما فرض في الجنابة ، سنة في الوضوء ، فإن تركهما في غسله من الجنابة وصلى أعاد ، كمن ترك لمعة ، ومن تركهما في وضوئه وصلى فلا إعادة عليه .

وقال ابن أبي ليلى ، وحماد بن أبي سليمان ، وهو قول إسحاق بن راهويه : هما فرض في الغسل والوضوء جميعا ، وروى الزهري وعطاء مثل هذا القول أيضا ، وروي عنهما مثل [ ص: 35 ] قول مالك والشافعي وكذلك اختلف أصحاب داود ، فمنهم من قال هما فرض في الغسل والوضوء جميعا ، ومنهم من قال : إن المضمضة سنة والاستنشاق فرض ، وكذلك اختلف عن أحمد بن حنبل على هذين القولين المذكورين عن داود وأصحابه ، ولم يختلف قول أبي ثور ، وأبي عبيد : إن المضمضة سنة ، والاستنشاق واجب ، قالا : فمن ترك الاستنشاق وصلى أعاد ، ومن ترك المضمضة لم يعد ، وكذلك القول ثم أحمد بن حنبل في رواية ، وعن بعض أصحاب داود . وحجة من لم يوجبهما أن الله لم يذكرهما في كتابه ، ولا أوجبهما رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا اتفق الجميع عليه ، والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه . وحجة من أوجبهما في الغسل من الجنابة دون الوضوء قوله - صلى الله عليه وسلم - : تحت كل شعرة جنابة ، فبلوا [ ص: 36 ] الشعر ، وأنقوا البشرة ، وفي الأنف ما فيه من الشعر ، وأنه لا يوصل إلى غسل الأسنان ، والشفتين إلا بالمضمضة ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : العينان تزنيان ، والفم يزني ، ونحو هذا إلى أشياء يطول ذكرها .

وحجة من أوجبهما في الوضوء ، وفي غسل الجنابة جميعا : إن الله عز وجل قال : ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا . كما قال : فاغسلوا وجوهكم ، فما وجب في الواحد من الغسل وجب في الآخر ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحفظ عنه أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ، ولا في غسله للجنابة ، وهو المبين عن الله عز وجل مراده قولا وعملا ، وقد بين أن من مراد الله بقوله : اغسلوا وجوهكم : المضمضة والاستنشاق ، مع غسل سائر الوجه .

وحجة من فرق بين المضمضة والاستنشاق : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل المضمضة ، ولم يأمر بها ، وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة ، إلا بدليل ، وفعل الاستنثار وأمر به ، وأمره على الوجوب أبدا ، إلا أن تبين غير ذلك من مراده ، وهذا على أصولهم في ذلك .

وأما اختلاف العلماء في حكم الأذنين في الطهارة ، فإن مالكا ، قال فيما روى عنه ابن وهب ، وابن القاسم ، وأشهب ، وغيرهم : الأذنان من الرأس ، إلا أنه ، قال : يستأنف لهما ماء جديد سوى الماء الذي يمسح به الرأس ، فوافق الشافعي في هذه ; لأن الشافعي قال : يمسح الأذنين بماء جديد ، كما قال مالك ولكنه قال : هما سنة على حيالهما ، لا من الوجه ، ولا من الرأس ، وقول أبي ثور في ذلك ، كقول الشافعي سواء حرفا بحرف ، وقول أحمد بن حنبل [ ص: 37 ] في ذلك ، كقول مالك سواء في قوله : الأذنان من الرأس ، وفي أنهما يستأنف لهما ماء جديد .

وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : الأذنان من الرأس ، يمسحان مع الرأس بماء جديد ، وروي عن جماعة من السلف مثل ذلك القول من الصحابة والتابعين ، وقال ابن شهاب والزهري : الأذنان من الوجه ، وقال الشعبي : ما أقبل منهما من الوجه ، وظاهرهما من الرأس ، وبهذا القول ، قال : الحسن بن حي ، وإسحاق بن راهويه : إن باطنهما من الوجه ، وظاهرهما من الرأس . وحكيا عن أبي هريرة هذا القول وعن الشافعي ، والمشهور من مذهبه ما تقدم ذكره ، رواه المزني ، والربيع ، والزعفراني ، والبويطي ، وغيرهم .

وقد روي عن أحمد بن حنبل مثل قول الشافعي وإسحاق في هذا أيضا ، وقال داود : إن مسح أذنيه ، فحسن ، وإن لم يمسح فلا شيء عليه ، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه ، ويجعلونه تاركا سنة من سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يوجبون عليه إعادة ، إلا إسحاق بن راهويه ، فإنه قال : إن ترك مسح أذنيه عامدا لم يجزه . وقال أحمد بن حنبل : إن تركهما عمدا أحببت أن يعيد ، وقد كان بعض أصحاب مالك يقولون : من [ ص: 38 ] ترك سنة من سنن الوضوء ، أو الصلاة عامدا أعاد ، وهذا عند الفقهاء ضعيف ، وليس لقائله سلف ، ولا له حظ من النظر ، ولو كان كذلك ، لم يعرف الفرض الواجب من غيره ! وقال بعضهم : من ترك مسح أذنيه ، فكأنه ترك مسح بعض رأسه ، وهو ممن يقول بأن الفرض مسح بعض الرأس ، وإنه يجزئ المتوضئ مسح بعضه ، وقوله : هذا كله ليس على أصل مذهب مالك الذي يقتدي به ، وسيأتي القول في مسح الرأس في باب عمرو بن يحيى إن شاء الله .

واحتج مالك والشافعي في أخذهما للأذنين ماء جديدا ، بأن عبد الله بن عمر كان يفعل ذلك .

وحجة أبي حنيفة وأصحابه ومن قال بقولهم : إن الأذنين يمسحان مع الرأس بماء واحد - حديث زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كذلك فعل ، وذلك موجود أيضا في حديث عبد الله الخولاني ، عن ابن عباس ، عن علي في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء ، وفي حديث طلحة بن مصرف ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واحتجوا أيضا بحديث الصنابحي هذا ، قوله - صلى الله عليه وسلم - : فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه ، كما قال في الوجه من أشفار عينيه ، وفي اليدين من تحت أظفاره ، ومعلوم أن العمل في ذلك واحد بماء واحد . واحتجوا أيضا بما أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : أخبرنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا الحسن بن علي ، قال : حدثنا يزيد [ ص: 39 ] ابن هارون ، قال : أخبرنا عباد بن منصور ، عن عكرمة بن خالد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ ، فذكر الحديث كله ثلاثا ثلاثا ، وفيه قال : ومسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما مسحة واحدة . وأكثر الآثار على هذا ، وقد يحتمل أنه مسح رأسه مرة واحدة ، وأذنيه مرة واحدة ، لأنه ذكر الوضوء ثلاثا ثلاثا إلا الرأس والأذنين .

وحجة من قال بغسل باطنهما مع الوجه ، وبمسح ظاهرهما مع الرأس : إن الله قد أمر بغسل الوجه ، وهو مأخوذ من المواجهة ، فكل ما وقع عليه اسم وجه وجب عليه غسله ، وأمر عز وجل بمسح الرأس ، وما لم يواجهك من الأذنين فمن الرأس ; لأنهما في الرأس ، فوجب المسح على ما لم يواجه منهما مع الرأس .

[ ص: 40 ] قال أبو عمر :

هذا قول ترده الآثار الثابتة عن النبي - عليه السلام - أنه كان يمسح ظهور أذنيه وبطونهما من حديث علي ، وعثمان ، وابن عباس ، والربيع بنت معوذ ، وغيرهم .

وحجة ابن شهاب في أنهما من الوجه ; لأن ما لم ينبت عليه الشعر ، فهو من الوجه لا من الرأس إذا أدركته المواجهة ، ولم يكن قفا ، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا ، ويمكن أن يحتج له بحديث ابن أبي مليكة : أنه رأى عثمان بن عفان ، فذكر صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا ثلاثا ، قال : ثم أدخل يده ، فأخذ ماء ، فمسح به رأسه وأذنيه ، فغسل ظهورهما وبطونهما .

ومن الحجة له أيضا ; ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في سجوده : سجد وجهي للذي خلقه ، فشق سمعه وبصره ، فأضاف السمع إلى الوجه ، وهذا كلام محتمل التأويل ، يمكن فيه الاعتراض .

[ ص: 41 ] وحجة الشافعي في قوله : إن مسح الأذنين سنة على حيالها ، وليستا من الوجه ، ولا من الرأس : إجماع القائلين بإيجاب الاستيعاب في مسح الرأس أنه إن ترك مسح اليسرى وصلى لم يعد ، فبطل قولهم : إنهما من الرأس ; لأنه لو ترك شيئا من رأسه عندهم ، لم يجزئه ، وإجماع العلماء في أن الذي يجب عليه حلق رأسه في الحج ليس عليه أن يأخذ ما على أذنيه من الشعر ، فدل ذلك على أنهما ليستا من الرأس ، وإن مسحهما سنة على الانفراد ; كالمضمضة ، والاستنشاق ، ولكل طائفة منهما اعتلال من جهة الأثر والنظر تركت ذلك خشية الإطالة ، وإن الغرض والجملة ما ذكرنا وبالله توفيقنا .

قال أبو عمر :

المعنى الذي يجب الوقوف على حقيقته في الأذنين أن الرأس قد رأينا له حكمين : فما واجه منه كان حكمه الغسل ، وما علا منه ، وكان موضعا لنبات الشعر كان حكمه المسح ، واختلاف الفقهاء في الأذنين ، إنما هو هل حكمهما المسح كحكم الرأس ، أو حكمهما الغسل كغسل الوجه ؟ أو لهما من كل واحد منهما حكم ، أو هما من الرأس فيمسحان معه ؟ فلما قال - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث : حديث الصنابحي فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه فأتى بذكر الأذنين مع الرأس ، ولم يقل إذا غسل وجهه خرجت الخطايا من أذنيه - علمنا أن الأذنين ليس لهما [ ص: 42 ] من حكم الوجه شيء ; لأنهما لم يذكرا معه ، وذكرا مع الرأس ، فكان حكمهما المسح كحكم الرأس ، فليس يصح من الاختلاف في ذلك عندي إلا مسحهما مع الرأس بماء واحد ، واستئناف الماء لهما في المسح ، فإن هذين القولين محتملان للتأويل .

وأما قول من أمر بغسلهما ، أو غسل بعضهما فلا معنى له ، وذلك مدفوع بحديث الصنابحي هذا مع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسحهما ، وبالله التوفيق .

واستدل بعض من لم يجز الوضوء بالماء المستعمل بحديث الصنابحي هذا ، وقال : الماء إذا توضئ به مرة خرجت الخطايا معه فوجب التنزه عنه ; لأنه ماء الذنوب ، وهذا عندي لا وجه له ; لأن الذنوب لا تنجس الماء ; لأنها لا أشخاص لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسده ، وإنما معنى قوله : خرجت الخطايا مع الماء إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلا عليهم ، ليرغبوا في العمل به .

واختلف الفقهاء في الوضوء بالماء المستعمل وهو الذي قد توضئ به مرة ، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما : لا يتوضأ به ، ومن توضأ به أعاد أبدا ; لأنه ليس بماء مطلق ويتيمم واجده ; لأنه ليس بواجد ماء ، ومن حجتهم في ذلك على الذين أجازوا الوضوء به عند عدم وجود غيره ، أنه لما كان مع الماء الذي يستعمل كلا ماء ، كان عند عدمه أيضا كلا ماء ووجب التيمم .

[ ص: 43 ] وقال بقولهم في ذلك : أصبغ بن الفرج ، وهو قول الأوزاعي . وأما مالك ، فقال : لا يتوضأ به إذا وجد غيره من الماء ، ولا خير فيه ، ثم قال : إذا لم يجد غيره توضأ به ولم يتيمم ; لأنه ماء طاهر لم يغيره شيء ، وقال أبو ثور ، وداود : الوضوء بالماء المستعمل جائز ; لأنه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء فوجب أن يكون مطهرا لطهارته ، ولأنه لا يضاف إلى شيء وهو ماء مطلق . واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة ، وإلى هذا ذهب أبو عبد الله المروزي محمد بن نصر ، ومن حجتهم أن الماء قد يستعمل في العضو الواحد لا يمتنع من ذلك أحد ولا يسلم من ذلك ، واختلف عن الثوري في هذه المسألة ، فروي عنه أنه قال : لا يجوز الوضوء بالماء المستعمل ، وأظنه حكى عنه أيضا أنه قال : هو ماء الذنوب ، وقد روي عنه خلاف ذلك ، وذلك أنه أفتى من نسى مسح رأسه : أن يأخذ من بلل لحيته ، فيمسح به رأسه ، وهذا واضح في استعمال الماء المستعمل .

وقد روي عن علي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وأبي أمامة ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، والنخعي ، ومكحول ، والزهري ، أنهم قالوا : فيمن نسي مسح رأسه ، فوجد في لحيته بللا ، أنه يجزئه أن يمسح بذلك البلل رأسه ، فهؤلاء كلهم أجازوا الوضوء بالماء المستعمل ، وأما مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، ومن قال بقولهم ، فلا يجوز عندهم لمن نسي مسح رأسه ، ووجد في لحيته بللا ، أن يمسح رأسه بذلك البلل ، ولو فعل لم يجزئه ، وكان كمن لم يمسح ، وكان عليه الإعادة لكل ما صلى [ ص: 44 ] بذلك الوضوء عندهم ; لأنه ماء قد أدى به فرضا ، فلا يؤدى به فرض آخر ، كالجمار وشبهها .

قال أبو عمر : الجمار مختلف في ذلك منها .

وقال بعض المنتمين إلى العلم من أهل عصرنا : إن الكبائر والصغائر يكفرها الصلاة والطهارة ، واحتج بظاهر حديث الصنابحي هذا ، وبمثله من الآثار ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : فما ترون ذلك يبقى من ذنوبه ، وما أشبه ذلك . وهذا جهل بين ، وموافقة للمرجئة فيما ذهبوا إليه من ذلك ، وكيف يجوز لذي لب أن يحمل هذه الآثار على عمومها ، وهو يسمع قول الله عز وجل ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ، وقوله تبارك وتعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون . في آي كثيرة من كتابه .

ولو كانت الطهارة ، والصلاة ، وأعمال البر ، مكفرة للكبائر ، والمتطهر ذاكر لذنبه الموبق ، ولا قاصد إليه ولا حضره في حينه ذلك أنه نادم عليه ، ولا خطرت خطيئته المحيطة به بباله ، لما كان لأمر الله عز وجل بالتوبة معنى ، ولكان [ ص: 45 ] كل من توضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من الصلاة ، وإن ارتكب قبلها ما شاء من الموبقات الكبائر ، وهذا لا يقوله أحد ممن له فهم صحيح ، وقد أجمع المسلمون أن التوبة على المذنب فرض ، والفروض لا يصح أداء شيء منها إلا بقصد ونية واعتقاد أن لا عودة ، فأما أن يصلي ذاكر لما ارتكب من الكبائر ، ولا نادم على ذلك ، فمحال ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الندم توبة ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر .

حدثنا يونس بن عبد الله بن محمد بن معاوية ، قال : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، قال : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال : حدثنا خالد بن مخلد ، قال : حدثنا محمد [ ص: 46 ] بن جعفر بن أبي كثير ، قال : حدثنا العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، كفارات لما بينهن من الخطايا ما لم تغش الكبائر .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن أبي العوام ، قال : حدثنا عمر بن سعيد القرشي ، قال : حدثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما لمن اجتنب الكبائر .

وروى عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، قال : قال عبد الله بن مسعود : الصلوات الخمس كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر [ ص: 47 ] قال : وأخبرني الثوري ، عن أبيه ، عن المغيرة بن شبيل ، عن طارق بن شهاب ، سمع سلمان الفارسي ، يقول : حافظوا على هذه الصلوات الخمس ; فإنهن كفارة هذه الجراح ، ما لم تصب المقتلة .

وحدثنا سعيد : قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا ابن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا ابن فضيل ، عن مغيرة ، عن زياد بن كليب ، عن إبراهيم بن علقمة ، عن سليمان بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ألا أحدثكم عن يوم الجمعة ، لا يتطهر رجل ، ثم يأتي الجمعة ، فيجلس وينصت حتى يقضي الإمام صلاته ، إلا كانت له كفارة ما بين الجمعة إلى الجمعة ، ما اجتنبت الكبائر .

قال أبو بكر : وحدثنا إسحاق بن منصور ، عن أبي [ ص: 48 ] كدينة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن القرثع ، عن سلمان ، عن النبي عليه السلام ، قال : ألا أحدثك عن يوم الجمعة ، من تطهر وأتى الجمعة ، ثم أنصت حتى يقضي الإمام صلاته ، كانت كفارة لما بينهما ، وبين الجمعة التي تليها ما اجتنبت المقتلة .

قال : وحدثنا عفان ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن مغيرة بن أبي معشر زياد بن كليب ، عن إبراهيم بن علقمة ، عن القرثع ، عن سلمان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل حديث إسحاق بن منصور ، عن أبي كدينة . وهذا يبين لك ما ذكرنا ، ويوضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات الخمس لمن اجتنب الكبائر ، فيكون على هذا معنى قول الله عز وجل إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم - الصغائر بالصلاة والصوم ، والحج ، وأداء الفرائض ، وأعمال البر ، وإن لم تجتنبوا الكبائر ولم تتوبوا منها لم تنتفعوا بتكفير الصغائر إذا واقعتم الموبقات المهلكات ، والله أعلم . وهذا كله قبل [ ص: 49 ] الموت ، فإن مات فمصيره إلى الله : إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه ، فإن عذبه فبجرمه ، وإن عفا عنه فهو أهل العفو وأهل المغفرة ، وإن تاب قبل الموت وقبل حضوره ومعاينته ، وندم واعتقد أن لا يعود ، واستغفر ووجل كان كمن لم يذنب ، وبهذا كله الآثار الصحاح عن السلف قد جاءت ، وعليه جماعة علماء المسلمين .

ولو تدبر هذا القائل الحديث الذي فيه ذكر خروج الخطايا من فمه ، وأنفه ، ويديه ، ورجليه ، ورأسه ، لعلم أنها الصغائر في الأغلب ، ولعلم أنها معفو عنها بترك الكبائر ، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : العينان تزنيان ، واليدان تزنيان ، والفم يزني ، ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه . يريد - والله أعلم - أن الفرج بعمله يوجب المهلكة ، وما لم يكن ذلك فأعمال البر يغسلن ذلك كله ، وقد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل ، وخشيت أن يغتر به جاهل ، فينهمك في الموبقات اتكالا على أنها تكفرها الصلوات الخمس دون الندم عليها ، والاستغفار والتوبة منها ، والله أعلم ، ونسأله العصمة والتوفيق .

حدثني سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال ، قال : حدثنا ابن سلمة ، عن ثابت [ ص: 50 ] وعلي بن زيد ، وحميد ، وصالح المعلم ، ويونس ، عن الحسن ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر .

وأما حديث عمرو بن عبسة في هذا الباب ، ومنه قام حديث الصنابحي ، والله أعلم ; فحدثنا أبو عبد الله محمد بن خليفة - رحمه الله - قال : حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ، قال : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، حدثنا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ، عن شهر بن حوشب ، أنه لقي أبا أمامة الباهلي ، فسأله عن حديث عمرو بن عبسة السلمي حين حدث شرحبيل بن السمط وأصحابه ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ ، أخطأ أو أصاب ، كان سهمه ذلك كعدل رقبة من ولد إسماعيل ، ومن خرجت له شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة ، ومن أعتق رقبة مسلمة ، كانت له فكاكا من جهنم ، ومن قام إلى الوضوء يراه حقا عليه ، فمضمض ، غفرت له ذنوبه مع أول قطرة من طهوره ، فإذا غسل وجهه ، فمثل ذلك ، فإذا غسل رجليه ، فمثل ذلك ، فإن جلس جلس سالما ، وإن صلى تقبل منه ، قال شهر : فحدثني أبو أمامة [ ص: 51 ] عن عمرو بن عبسة بهذا الحديث سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن إسماعيل بن عياش أجمعوا أنه ليس بحجة فيما ينفرد به .

وحدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا إبراهيم بن مروان الدمشقي ، قال : حدثنا ابن عياش هو إسماعيل ، قال : حدثني يحيى بن أبي عمرو السيباني ، عن أبي سلام الحبشي ، وعمرو بن عبد الله ، أنهما سمعا أبا أمامة الباهلي يحدث عن عمرو بن عبسة السلمي ، قال : رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ، ورأيت أنها آلهة باطل ، كانوا يعبدون الحجارة ، والحجارة لا تضر ولا تنفع ، قال : فلقيت رجلا من أهل الكتاب ، فسألته عن أفضل الدين ، فقال : رجل يخرج من مكة ، ويرغب عن آلهة قومه ، ويدعو إلى غيرها ، [ ص: 52 ] وهو يدعو إلى أفضل الدين ، فإذا سمعت به فاتبعه ، فلم يكن لي هم إلا مكة آتيها ، فأسأل : هل حدث فيها حدث أو أمر ؟ فيقولون : لا ، فأنصرف إلى أهلي ، وأهلي بعيد ، فأعترض خارجي مكة ، فأسألهم : هل حدث فيها حدث أو أمر ؟ فيقولون : لا ، فإني قاعد على الطريق إذ مر بي راكب ، فقلت من أين جئت ؟ فقال : من مكة ، قلت : حدث فيها حدث ؟ قال : نعم ، رجل رغب عن آلهة قومه ، ويدعو إلى غيرها ، قلت : صاحبي الذي أريد ، فشددت راحلتي برحلها ، فجئت منزلي الذي كنت أنزل فيه ، فسألت عنه ، فوجدته مستخفيا بشأنه ، ووجدت قريشا عليه جرءاء ، فتلطفت حتى دخلت ، فسلمت عليه ، ثم قلت : من أنت ؟ فقال : أنا نبي ، فقلت : وما النبي ؟ قال : رسول الله ، قلت : من أرسلك ، قال : الله ، قلت : فبم أرسلك ؟ قال : بأن توصل الأرحام ، وتحقن الدماء ، وتؤمن السبل ، وتكسر الأوثان ، ويعبد الله وحده لا يشرك به شيء ، قلت : نعم من أرسلك ، فأشهد أني قد آمنت بك ، وصدقت بك ، أمكث معك ، أم ماذا ترى ؟ قال : قد ترى كراهية الناس لما جئت به ، فامكث في أهلك ، فإذا سمعت بأني خرجت مخرجي ، فائتني ، فلما سمعت به خرج إلى [ ص: 53 ] المدينة سرت حتى قدمت عليه ، قلت : يا نبي الله تعرفني ؟ قال : نعم أنت السلمي الذي جئتني ، فقلت : لي كذا وكذا ، فاغتنمت ذلك المجلس ، وعرفت أنه لا يكون لي أفرغ قلبا منه في ذلك المجلس ، قلت : يا رسول الله ! أي الساعات أسمع ؟ قال : جوف الليل الآخر ، والصلاة مشهودة متقبلة حتى تخرج الشمس ، فإذا رأيتها خرجت حمراء ، فاقصر عنها ; فإنها تخرج بين قرني شيطان ، وتصلي لها الكفار ، فإذا ارتفعت قدر رمح أو رمحين فصل ; فإن الصلاة مشهودة متقبلة حتى يستوي الرمح بالظل ، فإذا استوى الرمح بالظل فأقصر عنها ، فإنه حين تسجر أبواب جهنم ، فإذا فاء الظل فصل ، فإن الصلاة مشهودة متقبلة حتى تغرب الشمس ، فإذا رأيتها حمراء فاقصر عنها ، فإنها تغرب بين قرني شيطان ، وتصلي لها الكفار ، ثم أخذ في الوضوء ، وقال : إذا توضأت فغسلت يديك خرجت خطايا يديك من أطراف أناملك مع الماء ، فإذا غسلت وجهك ومضمضت واستنثرت خرجت خطايا وجهك من فيك وخياشيمك مع الماء ، فإذا مسحت برأسك وأذنيك خرجت خطايا رأسك وأذنيك من أطراف شعرك مع الماء ، فإذا غسلت رجليك خرجت خطايا رجليك وأناملك مع الماء ، فصليت فحمدت ربك بما هو أهله انصرفت من صلاتك كيوم ولدتك أمك .

قال أبو داود : وقرأت على المؤمل بن إهاب ، قال : حدثنا النضر بن محمد ، قال : حدثنا عكرمة بن عمار العجلي ، قال : حدثنا شداد [ ص: 54 ] بن عبد الله أبو عمار ، ويحيى بن أبي كثير ، عن أبي أمامة قيل لعكرمة ولقي شداد أبا أمامة ؟ قال : نعم ، وواثلة ، وصحب أنس بن مالك إلى الشام ، قال : قال عمرو بن عبسة السلمي : كنت في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة ، وأنهم ليسوا على شيء ، وهم يعبدون الأوثان ، قال : فسمعت برجل بمكة ، فساق الحديث بمعنى ما تقدم ، قال : فقدمت عليه ، فقلت : يا رسول الله ! أتعرفني ؟ قال : نعم ، ألست الذي لقيتني بمكة ؟ قال : فقلت : بلى ، وقلت : يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله ، أخبرني عن الصلاة ، قال : صل صلاة الصبح ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس ، وحتى ترتفع ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ، ثم صل ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقبل الظل بالرمح ، ثم أقصر عن الصلاة ، فإنه حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء فصل ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلى العصر ، ثم أقصر حتى تغرب الشمس ; فإنها تغرب بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ، فقلت : أي نبي الله ! الوضوء حدثني عنه ، قال : ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ، ويستنشق ويستنثر ، إلا خرجت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه مع الماء ، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله خرجت خطايا وجهه من طرف لحيته مع الماء ، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرجت خطايا يديه من أنامله مع الماء ، ثم يمسح برأسه إلا خرجت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرجت خطايا رجليه من [ ص: 55 ] أنامله مع الماء ، فإن هو قام ، فصلى ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ومجده بالذي هو أهله ، إلا انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه ، وذكر باقي الكلام .

قال : وحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، قال : حدثنا محمد بن المهاجر ، عن العباس بن سالم ، عن أبي سلام ، عن أبي أمامة ، عن عمرو بن عبسة السلمي أنه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول ما بعث وهو بمكة ، وهو حينئذ مستخف ، فقلت : من أنت ؟ قال : أنا نبي ، قلت : وما النبي ؟ فذكر الحديث . وقال : قلت : يا رسول الله ! علمني مما علمك الله ، فقال : سل عما شئت ، فقلت : يا رسول الله ! أي الليل أفضل ؟ قال : جوف الليل الآخر ، فصل ما شئت ، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح ، ثم أقصر حتى تطلع الشمس وترتفع قيد رمح أو رمحين ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ، وتصلي لها الكفار ، ثم صل ما شئت ، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة ، حتى يعتدل رمح بظله ، ثم أقصر ; فإن جهنم تسجر وتفتح أبوابها ، فإذا زاغت الشمس ، فصل ما شئت ; فإن الصلاة مكتوبة مشهودة حتى تصلي العصر ، ثم أقصر حتى تغرب الشمس ; فإنها تغرب بين قرني شيطان ، [ ص: 56 ] وتصلي لها الكفار ، فإذا توضأت فاغسل يديك ، فإنك إذا غسلت يديك خرجت خطاياك من أطراف أناملك ، ثم إذا غسلت وجهك خرجت خطاياك من وجهك ، ثم إذا مضمضت واستنثرت خرجت خطاياك من فيك ومناخرك ، ثم إذا غسلت ذراعيك خرجت خطاياك من ذراعيك ، ثم إذا مسحت برأسك خرجت خطاياك من أطراف شعرك ، ثم إذا غسلت رجليك خرجت خطاياك من أطراف أنامل رجليك ، فإن ثبت في مجلسك ، كان لك حظك من وضوئك ، فإن قمت فذكرت ربك وحمدت وركعت له ركعتين تقبل عليهما بقلبك خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك .

حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن علي ، قال : حدثنا محمد بن فطيس ، قال : حدثنا أبو يزيد شجرة بن عيسى ، قال : حدثنا علي بن زياد ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن رجل من أهل الشام ، عن كعب بن مرة البهزي ، قال : قال رجل يا رسول الله ! أي الليل أسمع ؟ قال : جوف الليل الآخر ، ثم الصلاة مقبولة حتى تصلي الفجر ، ثم لا صلاة حتى تكون الشمس قيد رمح أو رمحين ، ثم الصلاة مقبولة حتى يقوم الظل قيام الرمح ، ثم لا صلاة حتى تزول الشمس ، ثم الصلاة مقبولة حتى تكون الشمس قد دنت للغروب قدر رمح أو رمحين ، فإذا غسلت وجهك [ ص: 57 ] خرجت خطاياك من وجهك ، وإذا غسلت ذراعيك خرجت الخطايا من ذراعيك ، وإذا غسلت رجليك خرجت الخطايا من رجليك .

قال أبو عمر :

ليس في شيء من هذه الآثار : فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه ، وذلك موجود في حديث الصنابحي ، وسائر حديث الصنابحي كله على ما في حديث عمرو بن عبسة المذكور في هذا الباب والحمد لله ، وإنما ذكرناها ليبين بها حديث الصنابحي ويتصل ويستند ، فلذلك ذكرناها لتقف على نقلها ، وتسكن إليها ، وبالله التوفيق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث