الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 124 ] مسألة : إذا استطاع إليه سبيلا وهو أن يجد زادا وراحلة بآلتها مما يصلح لمثله فاضلا عما يحتاج إليه لقضاء ديونه ومؤنة نفسه وعياله على الدوام .

في هذا الكلام فصول :-

( أحدها ) :

أن الحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلا بنص القرآن والسنة المستفيضة ، وإجماع المسلمين ومعنى قوله : ( من استطاع إليه سبيلا ) واستطاعة السبيل عند أبي عبد الله وأصحابه : ملك الزاد والراحلة فمناط الوجوب : وجود المال ; فمن وجد المال وجب عليه الحج بنفسه أو بنائبه ، ومن لم يجد المال : لم يجب عليه الحج ، وإن كان قادرا ببدنه قال : في رواية صالح - إذا وجد الرجل الزاد والراحلة وجب الحج .

وسئل - أيضا - في رواية أبي داود : على من يجب الحج ؟ فقال : إذا [ ص: 125 ] وجد زادا وراحلة وقال - في رواية حنبل - : وليس على الرجل الحج إلا أن يجد الزاد والراحلة .

فإن حج راجلا تجزيه من حجة الإسلام ، ويكون قد تطوع بنفسه وذلك لما روى إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال : جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال : يا رسول الله ما يوجب الحج ؟ قال : "الزاد والراحلة " قال : يا رسول الله : فما الحاج ؟ قال : "الشعث التفل " وقام آخر فقال : يا رسول الله : ما الحج ؟ قال : "العج والثج " قال وكيع : يعني بالعج : العجيج بالتلبية ، والثج : نحر البدن . [ ص: 126 ] رواه ابن ماجه ، والترمذي وقال حديث حسن ، وإبراهيم بن يزيد قد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه .

وعن ابن جريج قال : وأخبرنيه أن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "الزاد والراحلة " يعني قوله : ( من استطاع إليه سبيلا ) [ ص: 127 ] رواه ابن ماجه .

وعن أنس قال : سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- ما السبيل إليه ؟ قال : "الزاد والراحلة " رواه ابن مردويه والدارقطني من طرق متعددة لا بأس ببعضها [ ص: 128 ] وروي هذا المعنى من حديث ابن مسعود ، وعائشة وجابر وغيرهم .

وعن الحسن قال : لما نزلت ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) قال : قيل : يا رسول الله ما السبيل ؟ قال : "الزاد والراحلة " رواه أحمد ، وأبو داود في مراسيله وغيرهما ، وهو صحيح عن الحسن ، وقد أفتى به ، وهذا يدل على ثبوته عنده ، واحتج به أحمد .

وعن ابن عباس قال : "من ملك ثلاثمائة درهم وجب عليه الحج ، وحرم عليه نكاح الإماء " رواه أحمد وأيضا قوله : "من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا ، وإن شاء نصرانيا " . [ ص: 129 ] فهذه الأحاديث مسندة من طرق حسان ومرسلة وموقوفة تدل على أن مناط الوجوب : وجود الزاد والراحلة مع علم النبي - صلى الله عليه وسلم- بأن كثيرا من الناس يقدرون على المشي .

وأيضا فإن قول الله - سبحانه - في الحج : ( من استطاع إليه سبيلا ) إما أن يعني به القدرة المعتبرة في جميع العبادات وهو مطلق المكنة ، أو قدرا زائدا على ذلك . فإن كان المعتبر هو الأول ، لم يحتج إلى هذا التقييد ، كما لم يحتج إليه في آية الصوم والصلاة ، فعلم أن المعتبر قدر زائد على ذلك ، وليس هو إلا المال .

[ ص: 130 ] وأيضا فإن الحج عبادة تفتقر إلى مسافة ، فافتقر وجوبها إلى ملك الزاد والراحلة كالجهاد .

ودليل الأصل قوله - تعالى - : ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ) إلى قوله - تعالى - : ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) الآية . وأيضا فإن المشي في المسافة البعيدة مظنة المشقة العظيمة .

[ ص: 131 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية