الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولقد مننا عليك مرة أخرى

[ ص: 215 ] ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له .

جملة ( ولقد مننا عليك ) معطوفة على جملة ( قد أوتيت سؤلك ) لأن جملة ( قد أوتيت سؤلك ) تتضمن منة عليه ، فعطف عليها تذكير بمنة عليه أخرى في وقت ازدياده ليعلم أنه لما كان بمحل العناية من ربه من أول أوقات وجوده فابتدأه بعنايته قبل سؤاله فعنايته به بعد سؤاله أحرى ، ولأن تلك العناية الأولى تمهيد لما أراد الله به من الاصطفاء والرسالة ، فالكرم يقتضي أن الابتداء بالإحسان يستدعي الاستمرار عليه . فهذا طمأنة لفؤاده وشرح لصدره ليعلم أنه سيكون مؤيدا في سائر أحواله المستقبلة ، كقوله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى ) .

وتأكيد الخبر بلام القسم وقد لتحقيق الخبر ، لأن موسى - عليه السلام - قد علم ذلك ، فتحقيق الخبر له تحقيق للازمه المراد منه ، وهو أن عناية الله به دائمة لا تنقطع عنه زيادة في تطمين خاطره بعد قوله تعالى ( قد أوتيت سؤلك ) .

والمرة : فعلة من المرور ، غلبت على معنى الفعلة الواحدة من عمل معين يعرف بإضافة أو بدلالة المقام . وقد تقدمت عند قوله تعالى ( وهم بدءوكم أول مرة ) في سورة " براءة " . وانتصاب " مرة " هنا على المفعولية المطلقة لفعل ( مننا ) ، أي مرة من المن . ووصفها ب " أخرى " هنا باعتبار أنها غير هذه المنة .

[ ص: 216 ] و ( إذ ) ظرف للمنة .

والوحي ، هنا : وحي الإلهام الصادق . وهو إيقاع معنى في النفس ينثلج له نفس الملقى إليه بحيث يجزم بنجاحه فيه وذلك من توفيق الله تعالى . وقد يكون بطريق الرؤيا الصالحة التي يقذف في نفس الرائي أنها صدق .

و " ما يوحى " موصول مفيد أهمية ما أوحي إليها . ومفيد تأكيد كونه إلهاما من قبل الحق .

و ( أن ) تفسير لفعل أوحينا لأنه معنى القول دون حروفه أو تفسير ل " يوحى " .

والقذف : أصله الرمي ، وأطلق هنا على الوضع في التابوت . تمثيلا لهيئة المخفي عمله . فهو يسرع وضعه من يده كهيئة من يقذف حجرا ونحوه .

والتابوت : الصندوق . وتقدم عند قوله تعالى ( إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ) في سورة " البقرة " .

واليم : البحر ، والمراد به نهر النيل .

والساحل : الشاطئ ، ولام الأمر في قوله فليلقه دالة على أمر التكوين ، أي سخرنا اليم لأن يلقيه بالساحل ، ولا يبتعد به إلى مكان بعيد ، والمراد ساحل معهود ، وهو الذي يقصده آل فرعون للسباحة .

والضمائر الثلاثة المنصوبة يجوز أن تكون عائدة إلى موسى لأنه المقصود وهو حاضر في ذهن أمه الموحى إليها ، وقذفه في التابوت وفي اليم وإلقاؤه في الساحل كلها أفعال متعلقة بضميره ، [ ص: 217 ] إذ لا فرق في فعل الإلقاء بين كونه مباشرا أو في ضمن غيره ، لأنه هو المقصود بالأفعال الثلاثة . ويجوز جعل الضميرين الأخيرين عائدين إلى التابوت ولا لبس في ذلك .

وجزم ( يأخذه ) في جواب الأمر على طريقة جزم قوله ( يفقهوا قولي ) المتقدم آنفا .

والعدو : فرعون ، فهو عدو الله لأنه انتحل لنفسه الإلهية ، وعدو موسى تقديرا في المستقبل ، وهو عدوه لو علم أنه من غلمان إسرائيل ؛ لأنه اعتزم على قتل أبنائهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث