الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

النوع السابع عشر : مداواة الأمراض ، والتمريض ، والرفاد نحوه

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا مرض العبد بعث الله ملكين ، فقال : انظروا ماذا يقول لعواده ، فإن هو إذا جاءوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله عز وجل ، وهو أعلم ، فيقول : لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة ، وإن أنا شفيته أبدلته لحما خيرا من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، وأن أكفر عنه سيئاته . وفيه ، قال عليه السلام : لا يصيب المؤمن مصيبة حتى الشوكة وإن صغرت إلا أوجر بها ، أو كفر بها من خطاياه . شك الراوي ، وقال عليه السلام : " من يرد الله به خيرا يصب منه " .

قال عثمان بن أبي العاصي : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبي وجع كاد يهلكني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : امسحه بيمينك سبع مرات ، وقل : أعوذ بعزة الله وقدرته من [ ص: 306 ] شر ما أجد ، ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل عني ما كان بي ، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم .

وكان صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات ، وينفث ، قالت عائشة رضي الله عنها : فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها .

وأصاب رجلا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح ، فاحتقن الدم في الجرح ، فدعا برجلين من بني أنمار ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيكما أطب ، فقالا : أوفي الطب خير ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الدواء الذي أنزل الداء ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحمى من فيح جهنم ، فأبردوها بالماء ، وقال عليه السلام : إذا عاد الرجل المريض خاض للرحمة ، فإذا قعد عنده قر فيها ، وكلها في " الموطأ " ، قال الباجي : في " الصحيح " أن ابن عباس قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لتوعك وعكا شديدا ، فقال : أجل ، كما يوعك رجلان منكم ، لم يرد به عليه السلام التشكي ، وبه يجمع بينه وبين ما تقدم في الحديث الأول .

وخص الله تعالى عدد السبع بالدواء ، قال عليه السلام ما تقدم ، وقال : هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس .

قال ابن دينار : النفث شبه البصق ، ولا يلقي شيئا كما ينفث آكل الزبيب بل يسيرا من الريق ، والثفل إلقاء الريق ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفث على يديه ، ثم يمسح بهما وجهه ، وعنه عليه السلام إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ " قل هو الله أحد " ، والمعوذتين ، ويمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده .

وكره مالك الذي يرقي بالحديدة ، والملح ، والذي يكتب ، ويعقد فيما يعلق عقدا ، والذي يكتب خاتم سليمان ، وكان العقد عنده أشد كراهة لمشابهته للسحر ، ولقوله تعالى ( ومن شر النفاثات في العقد ) ، وكانت عائشة رضي الله عنها كثيرة الاسترقاء حتى ترقي البثرة الصغيرة .

[ ص: 307 ] قال مالك : ينهى الإمام الأطباء عن الدواء إلا طبيبا معروفا ، ولا يشرب من دوائهم إلا ما يعرف ، وقوله عليه السلام : " أنزل الدواء أي أعلمهم إياه ، وأذن لهم فيه " ، وعنه عليه السلام : " ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء " . وهو يدل على جواز المعالجة ، ومن المعالجة الجائزة حمية المريض ، وحمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مريضا حتى كان يمص النوى من الجوع ، وكان الصحابة رضي الله عنهم يكتوون من الذبحة ، واللقوة ، وذات الجنب ، وهو يعلم بهم ، وقال عليه السلام : " الشفاء في ثلاث : في شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو كية بنار ، وأنا أنهى أمتي عن الكي " ، وهو نهي كراهة ، وأمر بالأخذ بالأفضل ، وهو التوكل على الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم : " سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم قال : هم الذين لا يتطيرون ، ولا يسترقون ، ولا يكتؤون ، وعلى ربهم يتوكلون " . قال الباجي : وإنما كان التوكل من التداوي لعدم تيقن البرء ، قال غيره : لا يمكن أن يقال التوكل أفضل من الكي والمداوة والرقا ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يرقي نفسه إلى آخر مرض موته ، وكوى وأمر بالكي ، ولا يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الأفضل طول عمره ، ومتابعة عائشة رضي الله عنها على ذلك يأبى الأفضلية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكثر الناس استعمالا للطب ، وقال في الرطب ، والقثاء : " يذهب حر هذه برد هذه " ، وكان يكثر الرياضة ، واستعمال الطيب وهو من أعظم أنواع الطب ، وروى ابن ماجه : أنه كان يشرب كل يوم قدحا من ماء الغسل ، وهو يجلو المعدة ، والكبد ، والكلى ، وينقي الأعضاء الباطنة ، ويثير الحرارة ، وكان يتداوى حتى يتداوى بالخواص التي يتوهم نفعها ، في الحديث الوارد في سبع قرب ونحوه ، وهذا في غاية الإعراض لما قاله الباجي ، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين ، وكان يتوكل على الله ويطلب فضله في أسبابه الجارية بها عادته ، وقد تقدم أن هذا هو الجامع بين الأدب والتوكل ، وهي طريقة الأنبياء عليهم السلام [ ص: 308 ] والصديقين ، وخواص المؤمنين ، بل هذا الحديث محمول على أن هذه العلاجات من الكي وغيرها تارة تستعمل مع تعين أسبابها المقتضية لاستعمالها ، وتارة مع الشك فيها مع القطع بعدم الحاجة إليها كما يفعل الترك للكي لتهيج الطبيعة ، فهذه الحاجة الأخيرة هي المرادة بالحديث ; لأنه إيلام وعيب حينئذ ، فحسن المدح بتركه ، أما الحالة الأولى فلا ، وهذا طريق صالح للجمع بين فعله عليه السلام ، وفعل أصحابه ، وخواصه ، وبين هذا الحديث ، لاسيما والحديث وإن كان عاما في نفي المداوة ، لكنه مطلق في الأحوال ، والمطلق يتأدى بصورة فلا تعارض حينئذ ، نقل صاحب " القبس " فيه ثلاثة أقوال : أحدها : هذا ، والثاني : لا يسترقون بالتمائم كما كانت العرب تفعله ، والثالث : لا يسترقون عند الناس .

تنبيه : في " الصحيح " : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أخي استطلق بطنه ، فقال : اسقه عسلا ، فسقاه ، فقال : إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا ، فقال صلى الله عليه وسلم : صدق الله وكذب بطن أخيك ، كيف يتصور كذب البطن ؟ وكيف يوصف العسل بقطع الإسهال مع أنه مسهل ؟ والجواب عن الأول : أن الله تعالى قد جعل شفاه في العسل ، ولكن بعد تكرره إلى غاية يحجب ، فلما لم يكرره ، ولم يحصل البرء صدق الله في كونه جعل الشفاء فيه ، وإنما كان المانع من جهة المناولة ، وكذب البطن ; لأنه بظاهر حاله يقول إن هذا ليس شفائي وهو شفاء له ، وإنما المناولة لم تقع على الوجه اللائق ، وعن الثاني : أن الإسهال قد يكون عن سدة كما تقرر في علم الطب ، فمداواتها بما يجلوها ويحللها ، كما يداوى في الزحير الكاذب بالمسهلات ، وبالمسخنات المفتحة الحميات الكائنة عن السدد ، وهو كثير عند الأطباء المداواة بالمثل ، وإنما الغالب المداواة بالضد ، فلو كرر ; لانحلت السدة ، وانقطع الإسهال .

فرع

قال الباجي : تغسل القرحة بالبول ، والخمر إذا غسل بعد ذلك ، قال مالك : إني لأكره الخمر في الدواء ، وغيره ، وإنما يدخل هذه الأشياء من يريد الطعن في الدين ، والبول عنده أخف ، ولا يشرب بول الإنسان ليتداوى به ; لأنه نجاسة ، [ ص: 309 ] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله لا يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " . أي لم يشرع ، كما قال تعالى : ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ) أي : لم يشرع ، وإلا فجعل الخلق موجود ، ولا بأس بشرب أبوال الأنعام الثمانية ، قيل له : كل ما يؤكل لحمه ؟ قال : لم أقل إلا الأنعام الثمانية ، ولا خير في أبوال الأتن ، قال مالك : ولا بأس بالكي من اللقوة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث