الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( و ) قول ( تابعي : أمرنا ونهينا ، ومن السنة ، وكانوا يفعلون ) كذا ( ك ) قول ( صحابي ) ذلك ( حجة ) أي في الاحتجاج به عند أصحابنا .

وأومأ إليه الإمام أحمد رضي الله عنه ، لكنه كالمرسل . وخالف الشيخ تقي الدين في قوله " كانوا يفعلون كذا " وقال : ليس بحجة ، لأنه قد يعني من أدركه . كقول إبراهيم النخعي " كانوا يفعلون " يريد أصحاب عبد الله بن مسعود ( وأعلى مستند غير صحابي : قراءة الشيخ ) على الراوي عنه وهو يسمع ، سواء كانت قراءته إملاء أو تحديثا من حفظه أو من كتابه . إذا علمت ذلك ( فإن قصد ) الشيخ ( إسماعه وحده ، أو ) أن يسمعه ( و ) يسمع غيره ( قال ) أي ساغ للراوي أن يقول ( أسمعنا ، و ) أن يقول ( حدثنا وأخبرنا ) فلان ( وقل ) قول الراوي في مثل هذا ( أنبأنا ونبأنا ) فلان ( وهي ) أي هذه الألفاظ ( مرتبة ) أي في الرتبة ( كما ذكرت ) أي كما رتبت في الذكر .

قال الخطيب : أرفع الدرجات : سمعت ، ثم حدثنا . وحدثني ، ثم أخبرنا . وهو كثير في الاستعمال ، ثم أنبأنا ونبأنا ، وهو قليل في الاستعمال انتهى . وإنما كانت أسمعنا وحدثنا أرفع لما فيهما من الاحتراز من الإجازة . قال الإمام أحمد رضي الله عنه " أخبرنا " أسهل من " حدثنا " فإن حدثنا شديد . انتهى ( وله ) أي للراوي ( إفراد الضمير ) بأن يقول : سمعت أو حدثني ( و ) لو كان ( معه غيره ، و ) له ( جمعه ) أي جمع الضمير بأن يقول : سمعنا أو حدثنا ، ولو كان الراوي ( منفردا ) بالسماع . وهذا هو الصحيح عند الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره من العلماء ( وإلا ) أي وإن لم يقصد الشيخ الإسماع ( قال ) الراوي ( سمعت وحدث ، وأخبر وأنبأ ونبأ ) قطع به ابن مفلح وغيره . والرتبة الثانية من مستند غير الصحابي : ما أشير إليه بقوله ( ثم قراءته ) [ ص: 299 ] أي قراءة الراوي على الشيخ . والرتبة الثالثة : سماع الراوي قراءة غيره على الشيخ وهو يسمع ، وإلى ذلك أشير بقوله ( أو غيره ) أي غير الراوي ( على الشيخ ) ، ( ويقول فيهما ) أي قراءته ، وفي قراءة غيره ( حدثنا وأخبرنا قراءة عليه ) . ( ويجوز الإطلاق ) وهو أن لا يقول : قراءة عليه عند مالك وأبي حنيفة وأحمد والخلال وأبي بكر عبد العزيز والقاضي أبي يعلى وغيرهم . وعنه رواية ثانية لا يطلق . وقال جمع ; لأنه كذب . وفي الرواية بسماع قراءة غيره على الشيخ خلاف . والذي عليه أكثر أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم : الصحة . قال الحافظ ابن حجر : ووقع الإجماع عليه في هذه الأزمنة وقبلها . وحكي المنع عن أبي عاصم النبيل ووكيع ومحمد بن سلام وعبد الرحمن بن سلام الجمحي ( وسكوت الشيخ عند قراءة عليه بلا موجب ) لسكوته عن غفلة أو غيرها ( كإقراره ) قال ابن مفلح : عليه جمهور الفقهاء والمحدثين . قال : والأحوط أن يستنطقه بالإقرار به .

وشرط بعض الظاهرية إقرار الشيخ بصحة ما قرئ عليه نطقا . والصحيح : أن عدم إنكاره ، ولا حامل له على ذلك ، من إكراه أو نوم أو غفلة أو نحو ذلك : كاف . لأن العرف قاض بأن السكوت تقرير في مثل هذا ، وإلا لكان سكوته لو كان غير صحيح قادحا ( ويحرم ) على الراوي ( إبدال قول الشيخ حدثنا ب ) قول الراوي ( أخبرنا وعكسه ) وهو إبدال قول الشيخ " أخبرنا " بقول " الراوي " حدثنا ، لاحتمال أن يكون الشيخ لا يرى التسوية بين اللفظين فيكون ذلك كذبا عليه . وعنه : لا يحرم .

قال الشيخ تقي الدين : أخذها القاضي من قوله في رواية أحمد بن عبد الجبار : حدثنا وأخبرنا واحد . ونقله عنه سلمة بن شبيب أيضا ( و ) يحرم أيضا على الراوي ( رواية ما شك في سماعه ) ما دام شاكا . ذكره الآمدي إجماعا ; لأن الأصل عدم السماع ; ولأن ذلك شهادة على شيخه ( و ) كذا يحرم عليه رواية مروي ( بمشتبه بغيره ) أي بغير مروي . لأن كل واحد منهما يحتمل أنه غير الذي رواه ما دام لم يترجح عنده أحد المشتبهين أنه مسموعه ( و ) يحرم أيضا عليه : رواية ( مستفهم من غير الشيخ ) قال [ ص: 300 ] ابن مفلح بعد كلام تقدم : وظاهر ما سبق أنه ليس له أن يروي إلا ما سمعه من الشيخ فلا يستفهمه ممن معه ، ثم يرويه . وقاله جماعة خلافا لآخرين . انتهى . قال خلف بن تميم : سمعت من الثوري عشرة آلاف حديث أو نحوها . فكنت أستفهم جليسي . فقلت لزائدة . فقال : لا تحدث بها إلا ما تحفظ بقلبك وتسمع أذنك . قال : فألقيتها ( لا ) أن يروي ( ما ظنه مسموعه ) من غير اشتباه ( أو ) ظنه ( من مشتبه بعينه ) عند الإمام أحمد رضي الله عنه والأكثر عملا بالظن ( ولا يؤثر ) في صحة الرواية ( منع الشيخ ) الراوي ( من روايته عنه بلا قادح ) قال ابن مفلح بعد كلام تقدم .

وظاهر ما سبق ، أن منع الشيخ للراوي من روايته - ولم يسند ذلك إلى خطإ أو شك - لا يؤثر . وقاله بعضهم . انتهى ( ثم ) الرتبة الرابعة من مستند غير الصحابي : الرواية بالإجازة وتتفاوت ، وبجوازها قال الشافعي وأحمد رضي الله عنهما والأكثر من أصحابهما وبقية العلماء . وحكى الاتفاق على جوازها الباقلاني والباجي وغيرهما . واحتج ابن الصلاح عليه بأنه إذا جاز أن يروي عنه مروياته ، وقد أخبره بها جملة . فهو كما لو أخبره بها تفصيلا ، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقا ، كما في القراءة على الشيخ . وعلى هذا : يجب العمل بها كالحديث المرسل .

قاله ابن مفلح وغيره : ومنعها شعبة وأبو زرعة الرازي وإبراهيم الحربي من أصحاب الإمام أحمد وجمع كثير من الحنفية وبعض الشافعية والظاهرية . ونقله الربيع عن الشافعي . قال شعبة : لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة . قال أبو زرعة : لو صحت لبطل العلم . ونقل ابن وهب عن مالك أنه قال : لا أرى هذا يجوز ولا يعجبني .

وقال أبو طاهر الدباس الحنفي : من قال لغيره : أجزت لك أن تروي عني ، فكأنه قال : أجزت لك أن تكذب علي ، وعند أبي حنيفة ومحمد إن علم المجيز ما في الكتاب ، والمجاز له ضابط : جاز ، وإلا فلا ، لما فيه من صيانة السنة وحفظها .

إذا علمت ذلك فأعلاها ( مناولة ) كتاب ( مع إجازة أو إذن ) في روايته عنه .

ويسمى هذا " عرض المناولة " كما أن سماع الشيخ يسمى " عرض القراءة " وهي [ ص: 301 ] نوعان أحدهما ما ذكرناه . وهي المناولة مع الإجازة أو الإذن . والرواية بهذا النوع جائزة . قال القاضي عياض في الإلماع : جائزة بالإجماع . وكذا قال المازري : لا شك في وجوب العمل به انتهى . لكن الصيرفي حكى الخلاف في المسألة . وأن المانع خرجه على الشهادة ، في الصك ولم يقرأ على المشهود عليه ، بل قال : اشهد علي بما فيه ، فإن القول بمنعه مشهور . كما ذكروه في كتاب القاضي إلى القاضي . ومما استدل به للمناولة بدون القراءة ما قاله البخاري : إن بعض أهل الحجاز احتجوا عليها بحديث { النبي صلى الله عليه وسلم حيث كتب لأمير السرية كتابا . وقال ولا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا . فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس ، وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم } لكن أشار البيهقي إلى أنه لا حجة فيه ، وهو ظاهر لاحتمال أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأه عليه . فتكون واقعة عين يسقط فيها الاستدلال للاحتمال ، وأمير السرية : هو عبد الله بن جحش المجدع في الله تعالى . وذلك في رجب في السنة الثانية . والحديث رواه الطبري مرفوعا .

وصفة هذا النوع : أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل مرويه ، أو فرعا مقابلا به . ويقول : هذا سماعي ، أو مرويي بطريق كذا فاروه عني ، أو أجزت لك أن ترويه عني ، ثم يملكه إياه بطريق أو يعيره له ينقله ويقابله به .

وفي معناه : أن يجيء الطالب بذلك إلى الشيخ ويعرضه عليه ، فيتأمله الشيخ العارف اليقظ . ويقول : نعم هذا مسموعي ، أو روايتي بطريق كذا ، فاروه عني . وقد تقدم أنها جائزة ، وأنها منحطة عن رتبة السماع . وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور . وذهب ربيعة ومالك والزهري وابن عيينة وجمع إلى أنها كالسماع ( ولا تجوز ) الرواية ( بمجردها ) أي بمجرد المناولة من غير إجازة ولا إذن عند جماهير العلماء . وحكى الخطيب عن قوم أنهم صححوها . وبذلك قال ابن الصباغ . وعابها غير واحد من الفقهاء ، والأصوليين على المحدثين . ولم ير أبو حنيفة والشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهم ، وأكثر الفقهاء : إطلاق " حدثنا وأخبرنا " في المناولة مع الإجازة أو الإذن . وأجازه مالك [ ص: 302 ] والزهري وجمع ، لأنها عندهم كالسماع ( ويكفي اللفظ ) يعني أنه لو كان الكتاب بيد المجاز له أو على الأرض ونحوه ، وأجازه به : جاز ، ولا يشترط فيها فعل المناولة لأنه لا تأثير لها ( ومثلها ) أي ومثل المناولة ( مكاتبة مع إجازة ، أو ) مع ( إذن ) بشرط أن يعلم المكتوب إليه أنه خط الكاتب ، أو يظنه بإخبار ثقة أو غير ذلك .

قال العراقي في شرح منظومته : المكاتبة أن يكتب الشيخ شيئا من حديثه بخطه ، أو يأمر غيره فيكتب عنه بإذنه إلى غائب عنه ، أو حاضر عنده . فهذان نوعان . أحدهما : أن يجيزه مع ذلك . فتجوز الرواية به على الصحيح كالمناولة وعليه أكثر العلماء ، حتى قال بعضهم : إنه كالسماع ; لأن الكتابة أحد اللسانين . وقد : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ الغائب بالكتابة إليه } . وكان صلى الله عليه وسلم يكتب إلى عماله تارة ، ويرسل أخرى . ومنع قوم من الرواية بالكتابة ، وأجابوا عن كتب النبي صلى الله عليه وسلم بأن الاعتماد على الأخبار المرسلة على يديه ( ثم ) يلي المناولة والمكاتبة في الرتبة ( إجازة خاص لخاص ) كقوله : أجزت لفلان أن يروي عني كتاب كذا مع غيبة الكتاب . وإلا فهي المناولة ، فإجازة عام لخاص كقوله : أجزت لفلان أن يروي عني جميع مروياتي ( فعكسه ) وهي إجازة خاص لعام . كقوله : أجزت للمسلمين أو لمن أدرك حياتي أو لكل أحد : أن يروي عني كتابي الفلاني ( ف ) إجازة ( عام لعام ) كقوله : أجزت لكل أحد أن يروي عني جميع مروياتي . ذكر هذين القسمين - وهما إجازة الخاص للعام والعام للعام - القاضي أبو يعلى وغيره ، وقاله أبو بكر عبد العزيز في إجازة العام للعام ، ومنع هذا الأخير جماعة . وجوزه الخطيب وغيره . وفعله ابن منده وغيره . فقال : أجزت لمن قال لا إله إلا الله . وجوز أبو الطيب الإجازة لجميع المسلمين من كان منهم موجودا عند الإجازة . وقال ابن الصلاح : لم نر ولم نسمع عن أحد ممن يقتدى به استعمل هذه الإجازة ولا من الشرذمة المجوزة ، والإجازة في أصلها ضعف ، وتزداد بهذا التوسع ضعفا كبيرا لا ينبغي احتماله . وقال العراقي في شرح منظومته : ممن [ ص: 303 ] أجازها أبو الفضل ابن خيرون البغدادي وابن رشد المالكي والسلفي وغيرهم .

ورجحه ابن الحاجب ، وصححه النووي في زيادة الروضة ( ثم مكاتبة بدونها ) أي بدون إجازة ، بل كتب إليه يخبره بقراءته الكتاب الفلاني على الشيخ الفلاني فقط . وظاهر كلام الإمام أحمد رضي الله عنه والخلال : الجواز . فإن أبا مسهر وأبا توبة كتبا إليه بأحاديث وحدث بها ، وهو الأشهر للمحدثين . واختاره كثير من المتقدمين .

حتى قال ابن السمعاني : إنها أقوى من الإجازة . وجزم به الرازي في المحصول ، وفي البخاري في كتاب الأيمان والنذور " وكتب إلي محمد بن بشار " وفي مسلم عن عامر بن سعيد بن أبي موسى " كتب إلي جابر بن سمرة " وللشافعية خلاف . وقد تقدم ما فيها من الخلاف مع الإجازة ، فمع عدمها أقوى ( ويكفي ) في جواز الرواية بالمكاتبة ( معرفة خطه ) أي أن يعرف المكتوب إليه خط الكاتب عندنا وعند الأكثر ، ويكفي الظن في ذلك المعتمد على إخبار عدل على الصحيح .

وحكى أبو الحسين بن القطان عن بعضهم : أنه لا يكفي في ذلك إلا عدلان يشهدان على الكاتب بأنه كتبه على حد شرط كتاب القاضي إلى القاضي ( وتجوز إجازة بمجاز به ) في الأصح . كأجزت لك مجازاتي ، أو أجزت لك ما أجيز لي روايته . وهذا هو الصحيح . وعليه العمل ، خلافا لبعض المتأخرين . وقد كان الفقيه نصر المقدسي يروي بالإجازة عن الإجازة

التالي السابق


الخدمات العلمية