الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما جمهور عقلاء بني آدم فقالوا: هذه مخالفة للمعلوم بالحس.

والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفي صفات الرب مطلقا، أو نفي بعضها؛ لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها، والدليل يجب طرده، فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به، وهو أيضا في غاية الفساد والضلال، ولهذه التزموا القول بخلق القرآن، وإنكار رؤية الله في الآخرة، وعلوه على عرشه، إلى أمثال ذلك من اللوازم التي التزمها من طرد مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم.

فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين، ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده.

وأما الدين الذي قال الله فيه: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله [الشورى: 21] فذاك له أصول وفروع بحسبه.

وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات، تبين أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن الرسول.

وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل، [ ص: 42 ]

كما أن لازم الحق حق، والدليل ملزوم لمدلوله، فمتى ثبت ثبت مدلوله، ومتى وجد الملزوم وجد اللازم، ومتى انتفى اللازم انتفى الملزوم، والباطل شيء، وإذا انتفي لازم الشيء علم أنه منتف، فيستدل على بطلان الشيء ببطلان لازمه، ويستدل على ثبوته بثبوت ملزومه، فإذا كان اللازم باطلا فالملزوم مثله باطل، وقد يكون اللازم خفيا ولا يكون الملزوم خفيا، وإذا كان الملزوم خفيا كان اللازم خفيا، وقد يكون الملزوم باطلا ولا يكون اللازم باطلا، فلهذا قيل: إن ملزوم الباطل باطل، فإن ملزوم الباطل هو ما استلزم الباطل، فالباطل هو اللازم، وإذا كان اللازم باطلا كان الملزوم باطلا؛ لأنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم، ولم يقل: إن الباطل لازمه باطل.

وهذا كالمخلوقات، فإنها مستلزمة لثبوت الخالق، ولا يلزم من عدمها عدم الخالق، والدليل أبدا يستلزم المدلول عليه: يجب طرده، ولا يجب عكسه، بخلاف الحد، فإنه يجب طرده وعكسه.

وأما العلة: فالعلة التامة يجب طردها، بخلاف المقتضية، وفي العكس تفصيل مبسوط في موضعه.

التالي السابق


الخدمات العلمية