الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما كيفية الوجوب فأنواع .

( منها ) أنها تجب في وقتها وجوبا موسعا ; ومعناه أنها تجب في جملة الوقت غير عين كوجوب الصلاة في وقتها ففي أي وقت ضحى من عليه الواجب كان مؤديا للواجب سواء كان في أول الوقت أو وسطه أو آخره كالصلاة ، والأصل أن ما وجب في جزء من الوقت غير عين يتعين الجزء الذي أدى فيه الوجوب أو آخر الوقت كما في الصلاة وهو الصحيح من الأقاويل على ما عرف في أصول الفقه ، وعلى هذا يخرج ما إذا لم يكن أهلا للوجوب في أول الوقت ثم صار أهلا في آخره بأن كان كافرا أو عبدا أو فقيرا أو مسافرا في أول الوقت ثم أسلم أو أعتق أو أيسر أو أقام في آخره أنه يجب عليه ، ولو كان أهلا في أوله ثم لم يبق أهلا في آخره بأن ارتد أو أعسر أو سافر في آخره لا يجب عليه ، ولو ضحى في أول الوقت وهو فقير ثم أيسر في آخر الوقت فعليه أن يعيد الأضحية عندنا ، وقال بعض مشايخنا ليس عليه الإعادة .

والصحيح هو الأول ; لأنه لما أيسر في آخر الوقت تعين آخر الوقت للوجوب عليه وتبين أن ما أداه وهو فقير كان تطوعا فلا ينوب عن الواجب ، وما روي عن الكرخي رحمه الله في الصلاة المؤداة في أول الوقت أنها نفل مانع من الوجوب في آخر الوقت فاسد عرف فساده في أصول الفقه .

ولو كان موسرا في جميع الوقت فلم يضح حتى مضى الوقت ثم صار فقيرا صار قيمة شاة صالحة للأضحية دينا في ذمته يتصدق بها متى وجدها ; لأن الوجوب قد تأكد عليه بآخر الوقت فلا يسقط بفقره بعد ذلك ; كالمقيم إذا مضى عليه وقت الصلاة ولم يصل حتى سافر لا يسقط عنه شطر الصلاة ; وكالمرأة إذا مضى عليها وقت الصلاة وهي طاهرة ثم حاضت لا يسقط عنها فرض الوقت حتى يجب عليها القضاء إذا طهرت من حيضها ، كذا ههنا ولو مات الموسر في أيام النحر قبل أن يضحي سقطت عنه الأضحية وفي الحقيقة لم تجب لما ذكرنا أن الوجوب عند الأداء أو في آخر الوقت فإذا مات قبل الأداء مات قبل أن تجب عليه ; كمن مات في وقت الصلاة قبل أن [ ص: 66 ] يصليها أنه مات ولا صلاة عليه ، كذا ههنا .

وعلى هذا تخرج رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أن الرجل الموسر إذا ولد له ولد في آخر أيام النحر أنه يجب عليه أن يذبح عنه ، وهي إحدى الروايتين اللتين ذكرناهما أنه كما يجب على الإنسان إذا كان موسرا أن يذبح عن نفسه يجب عليه أن يذبح عن ولده الصغير ; لأنه ولد وقت تأكد الوجوب بخلاف صدقة الفطر أنه إذا ولد له ولد بعد طلوع الفجر من يوم الفطر أنه لا تجب عليه صدقة فطره ; لأن الوجوب هناك تعلق بأول اليوم فلا يجب بعد مضي جزء منه وههنا بخلافه .

وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى شاة للأضحية وهو موسر ، ثم إنها ماتت أو سرقت أو ضلت في أيام النحر أنه يجب عليه أن يضحي بشاة أخرى ; لأن الوجوب في جملة الوقت والمشترى لم يتعين للوجوب والوقت باق - وهو من أهل الوجوب - فيجب إلا إذا كان عينها بالنذر بأن قال لله تعالى علي أن أضحي بهذه الشاة - وهو موسر أو معسر - فهلكت أو ضاعت أنه تسقط عنه التضحية بسبب النذر ; لأن المنذور به معين لإقامة الواجب فيسقط الواجب بهلاكه ; كالزكاة تسقط بهلاك النصاب عندنا غير أنه إن كان الناذر موسرا تلزمه شاة أخرى بإيجاب الشرع ابتداء لا بالنذر وإن كان معسرا فاشترى شاة للأضحية فهلكت في أيام النحر أو ضاعت سقطت عنه وليس عليه شيء آخر لما ذكرنا أن الشراء من الفقير للأضحية بمنزلة النذر فإذا هلكت فقد هلك محل إقامة الواجب فيسقط عنه وليس عليه شيء آخر بإيجاب الشرع ابتداء لفقد شرط الوجوب وهو اليسار .

ولو اشترى الموسر شاة للأضحية فضلت فاشترى شاة أخرى ليضحي بها ثم وجد الأولى في الوقت فالأفضل أن يضحي بهما ; فإن ضحى بالأولى أجزأه ولا تلزمه التضحية بالأخرى ولا شيء عليه غير ذلك ; سواء كانت قيمة الأولى أكثر من الثانية أو أقل ، والأصل فيه ما روي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها ساقت هديا فضاع فاشترت مكانه آخر ثم وجدت الأول فنحرتهما ثم قالت : " الأول كان يجزئ عني " فثبت الجواز بقولها والفضيلة بفعلها رضي الله عنها .

ولأن الواجب في ذمته ليس إلا التضحية بشاة واحدة وقد ضحى ، وإن ضحى بالثانية أجزأه وسقطت عنه الأضحية وليس عليه أن يضحي بالأولى ; لأن التضحية بها لم تجب بالشراء بل كانت الأضحية واجبة في ذمته بمطلق الشاة فإذا ضحى بالثانية فقد أدى الواجب بها ، بخلاف المتنفل بالأضحية إذا ضحى بالثانية أنه يلزمه التضحية بالأولى أيضا ; لأنه لما اشتراها للأضحية فقد وجب عليه التضحية بالأولى أيضا بعينها فلا يسقط بالثانية بخلاف الموسر فإنه لا يجب عليه التضحية بالشاة المشتراة بعينها وإنما الواجب في ذمته - وقد أداه بالثانية - فلا تجب عليه التضحية بالأولى .

وسواء كانت الثانية مثل الأولى في القيمة أو فوقها أو دونها لما قلنا ، غير أنها إن كانت دونها في القيمة يجب عليه أن يتصدق بفضل ما بين القيمتين ; لأنه بقيت له هذه الزيادة سالمة من الأضحية فصار كاللبن ونحوه ولو لم يتصدق بشيء ولكنه ضحى بالأولى أيضا - وهو في أيام النحر - أجزأه وسقطت عنه الصدقة ; لأن الصدقة إنما تجب خلفا عن فوات شيء من شاة الأضحية فإذا أدى الأصل في وقته سقط عنه الخلف وأما على قول أبي يوسف رحمه الله فإنه لا تجزيه التضحية إلا بالأولى ; لأنه يجعل الأضحية كالوقف ولو لم يذبح الثانية حتى مضت أيام النحر ثم وجد الأولى ذكر الحسن بن زياد في الأضاحي أن عليه أن يتصدق بأفضلهما ولا يذبح وذكر فيها أنه قول زفر وأبي يوسف والحسن بن زياد رحمهم الله ; لأنه لم يجب عليه في آخر الوقت إلا التضحية بشاة ، فإذا خرج الوقت تحول الواجب من الإراقة إلى التصدق بالعين .

ولو اشترى شاة للأضحية وهو معسر أو كان موسرا فانتقص نصابه بشراء الشاة ثم ضلت فلا شيء عليه ولا يجب عليه شيء آخر ; أما الموسر فلفوات شرط الوجوب وقت الوجوب وأما المعسر فلهلاك محل إقامة الواجب فلا يلزمه شيء آخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث