الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1240 1241 1242 [ ص: 35 ] ص: وقد احتج قوم في ذلك أيضا مع ما ذكرنا بما قد روي عن خباب بن الأرت .

                                                حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي معمر، قال: "قلت لخباب بن الأرت: أكان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قلت: بأي شيء كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته".

                                                حدثنا فهد بن سليمان ، قال: ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني ، قال: أنا شريك ، وأبو معاوية ، ووكيع ، عن الأعمش ... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                قال أبو جعفر : -رحمه الله-: فلم يكن في هذا دليل عندنا على أنه قد كان يقرأ فيهما; لأنه قد يجوز أن تضطرب لحيته بتسبيح يسبحه، أو دعاء أو غيره، ولكن الذي حقق القراءة منه في هاتين الصلاتين من قد روينا عنه الإشارة التي في الفصل الذي قبل هذا.

                                                ولما ثبت بما ذكرنا عن رسول الله - عليه السلام - تحقيق قراءته في الظهر والعصر، وانتفى ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مما يخالف ذلك؟ رجعنا إلى النظر بعد ذلك هل نجد فيه ما يدل على صحة أحد القولين اللذين ذكرنا، فاعتبرنا ذلك، فرأينا القيام في الصلاة فرضا وكذلك الركوع والسجود، وهذا كله من فرض الصلاة وهي به مضمنة لا تجزئ الصلاة إذا ترك شيء من ذلك، وكان ذلك في سائر الصلوات سواء، ورأينا القعود الأول سنة لا اختلاف فيه فهو في كل الصلوات سواء، ورأينا القعود الأخير فيه اختلاف بين الناس، منهم من يقول: هو فرض، ومنهم من يقول: هو سنة، وكل فريق منهم قد جعل ذلك في كل الصلوات سواء، فكانت هذه الأشياء ما كان منها فرضا في صلاة فهو فرض في كل الصلوات كذلك، وكان الجهر بالقراءة في صلاة الليل ليس بفرض ولكنه سنة، وليست الصلاة به مضمنة كما كانت مضمنة بالركوع والسجود والقيام، فذلك قد ينتفي من بعض الصلوات ويثبت في بعضها، والذي هو فرض والصلاة به مضمنة ولا تجزئ الصلاة إلا [ ص: 36 ] بإصابته إذا كان في بعض الصلوات فرضا كان في سائرها كذلك، فلما رأينا القراءة في المغرب والعشاء والصبح واجبة في قول هذا المخالف لا بد منها ولا تجزئ الصلاة إلا بإصابتها كان كذلك هي في الظهر والعصر، فهذه حجة قاطعة على من ينفي القراءة من الظهر والعصر ممن يراها فرضا في غيرهما، وأما من لا يرى القراءة من صلب الصلاة فإن الحجة عليه في ذلك: أنا قد رأينا المغرب والعشاء يقرأ في كلتيهما في .

                                                قوله، ويجهر في الركعتين الأوليين منهما، ويخافت فيما سوى ذلك.

                                                فلما كان سنة ما بعد الركعتين الأوليين هي القراءة، ولم تسقط بسقوط الجهر، كان النظر على ذلك: أن تكون كذلك السنة في الظهر والعصر لما سقط الجهر فيهما بالقراءة أن لا تسقط القراءة; قياسا على ما ذكرنا، وهو قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد رحمهم الله.

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماعة من أصحاب الأئمة الأربعة، حيث استدلوا على وجوب القراءة في الظهر والعصر بحديث خباب بن الأرت وذلك لأن أبا معمر لما سأل خبابا: "هل كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال له: نعم. فقال: بأي شيء عرفتم ذلك؟ قال خباب: باضطراب لحيته - صلى الله عليه وسلم -". ولم يرض الطحاوي بهذا الاستدلال، حيث قال: فلم يكن في هذا دليل عندنا على قراءته; لاحتمال أن يكون اضطراب لحيته المباركة بالتسبيح أو التهليل أو الدعاء أو بذكر من الأذكار، فلا يتم به الاستدلال مع هذا الاحتمال. هذا ما قاله، ولقائل أن يقول: هذا احتمال بعيد، فلا يضر صحة الاستدلال، وذلك أنه - عليه السلام - قد قال: لا صلاة إلا بقراءة، فكيف يجوز بعد هذا القول أن يترك القراءة ويشتغل بالتسبيح ونحوه، بل الظاهر من الحال هو قراءته - عليه السلام - ولأن المصلي يناجي ربه في صلاته، وقراءة القرآن في حال المناجاة أولى وأجدر من الذكر على ما لا يخفي.

                                                قوله: "ولكن الذي حقق": أشار به إلى أن الدليل المرضي عنده في وجوب القراءة في الظهر والعصر هو الأحاديث التي رواها في الفصل الذي قبل هذا، وأراد بها [ ص: 37 ] أحاديث أبي قتادة وأبي سعيد الخدري وجابر بن سمرة وعمران بن حصين وأبي هريرة وأنس بن مالك - رضي الله عنهم -.

                                                قوله: "تحقيق قراءته" فاعل لقوله: "ولما ثبت" أي تحقيق قراءة النبي - عليه السلام - في الظهر والعصر، و"انتفى ما روي عن ابن عباس". من قوله: "لا" حين سئل: "هل كان النبي - عليه السلام - يقرأ في الظهر والعصر" الذي مر ذكره في أول الباب، وهو الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، وقد ذكر وجه انتفاء هذا فيما مضى مستقصى.

                                                قوله: "مما يخالف ذلك" أي الذي ثبت عنه - عليه السلام - من قراءته في الظهر والعصر.

                                                قوله: "رجعنا إلى النظر" أي القياس، وأراد أن القراءة في الظهر والعصر لما ثبتت بالدلائل الصحيحة الواضحة، ثبتت بما يؤكدها ويشدها أيضا من القياس الصحيح، وهو من قوله: "فاعتبرنا ذلك ... " إلى آخر الباب.

                                                ملخص ذلك: أن القيام والركوع والسجود من فروض الصلاة بلا خلاف، وأن الصلاة لا تجزئ إلا بها، وليس ذلك في صلاة مخصوصة بل في سائر الصلوات، والقعود الأول سنة بلا خلاف، وهو أيضا في سائر الصلوات، والقعود الأخير فيه خلاف فمنهم من يقول: هو فرض وهم: أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأكثر العلماء، ومنهم من يقول: هو سنة وهم: مالك ومن تبعه، وهذا أيضا في سائر الصلوات، فيقول كل ما كان فرضا في صلاة، فهو فرض في كل صلاة، فالقراءة في العشاءين والصبح فرض لا خلاف فيه بيننا وبين الخصم; لأن كلا منها صلاة، فكذلك في الظهر والعصر فرض; لأن كلا منهما صلاة، وكان الجهر بالقراءة في صلاة الليل سنة ليس فرضا كالقيام ونحوه فكما انتفى الوجوب ها هنا وهو بعض الصلاة، وكذلك انتفى عن بعضها الآخر وهو الظهر والعصر، وثبت في البعض الآخر وهو الصبح والأوليان من العشاءين، فهذا الذي ذكرنا من الأثر والقياس حجة قاطعة على من ينفي القراءة من الظهر والعصر، ويوجبها في غيرهما، وأما الحجة على من لا يرى القراءة من صلب الصلاة -يعني من ذات الصلاة- أراد: من لم ير القراءة ركنا من [ ص: 38 ] أركان الصلاة: أن القراءة يجهر بها في الأوليين من العشاءين في قوله أيضا: ويخافت فيما سوى ذلك وكان ذلك سنة حيث لم تسقط بسقوط الجهر، فالنظر على ذلك أن تكون السنة كذلك في الظهر والعصر أن لا تسقط القراءة فيهما بسقوط الجهر، فهذا هو وجه القياس والنظر الصحيح والله أعلم.

                                                ثم إنه أخرج حديث خباب من طريقين صحيحين على شرط الشيخين:

                                                الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي ، عن قبيصة بن عقبة بن محمد السوائي الكوفي ، عن سفيان الثوري ، عن سليمان الأعمش ، عن عمارة بن عمير التيمي الكوفي ، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة الأزدي الكوفي .

                                                وأخرجه البخاري : ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي معمر قال: قلت ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن في لفظه: "بأي شيء كنتم تعلمون قراءته".

                                                وأخرجه أبو داود : عن مسدد ، عن عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش ... " إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "بم كنتم تعرفون".

                                                قوله: "باضطراب لحيته" أي بحركتها، وقد جاء في بعض الروايات لحييه -بفتح اللام وبالياءين أولاهما مفتوحة والأخرى ساكنة- وهي تثنية "لحي" بفتح اللام وسكون الحاء، وهي منبت اللحية من الإنسان وغيره.

                                                الثاني: عن فهد بن سليمان ، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري ، عن شريك بن عبد الله النخعي ، وأبي معاوية محمد بن خازم الضرير ، ووكيع بن الجراح، كلهم عن سليمان الأعمش ... إلى آخره.

                                                [ ص: 39 ] وأخرجه ابن أبي شيبة : أنا أبو معاوية ووكيع ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي معمر قال: "قلنا لخباب بأي شيء كنتم تعرفون قراءة رسول الله - عليه السلام - في الظهر والعصر؟ قال: باضطراب لحيته". أبو معاوية: "لحييه".

                                                وأخرجه ابن ماجه : ثنا علي بن محمد، نا وكيع ، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه.




                                                الخدمات العلمية