الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الخامس من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 176 ] الحديث الخامس عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد .

التالي السابق


والأعمال قسمان : عبادات ومعاملات . فأما العبادات ، فما كان منها خارجا عن حكم الله ورسوله بالكلية ، فهو مردود على عامله ، وعامله يدخل تحت قوله : أم لهم شركاء شرعوا لهم من [ ص: 178 ] الدين ما لم يأذن به الله ( الشورى : 21 ) فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله ، فعمله باطل مردود عليه ، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية ، وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي ، أو بالرقص ، أو بكشف الرأس في غير الإحرام ، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية . وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقا ، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا قائما في الشمس ، فسأل عنه ، فقيل إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد ويستظل ، وأن يتم صومه فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرهما وقد روي أن ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ، فنذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ما دام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ؛ إعظاما لسماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قربة توفي بنذره ، مع أن القيام عبادة في مواضع أخر ، كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة ، والبروز للشمس قربة للمحرم ، فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن ، وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت به الشريعة في مواضعها . وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها ، كمن صام يوم العيد ، أو صلى وقت النهي . وأما من عمل عملا أصله مشروع وقربة ، ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع ، أو أخل فيه بمشروع ، فهذا مخالف أيضا للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به ، أو [ ص: 179 ] إدخاله ما أدخل فيه ، وهل يكون عمله من أصله مردودا عليه أم لا ؟ فهذا لا يطلق القول فيه برد ولا قبول ، بل ينظر فيه : فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبا لبطلانه في الشريعة ، كمن أخل بالطهارة للصلاة مع القدرة عليها ، أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود أو بالطمأنينة فيهما ، فهذا عمل مردود عليه ، وعليه إعادته إن كان فرضا ، وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل ، كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها شرطا ، فهذا لا يقال : إن عمله مردود من أصله ، بل هو ناقص . وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع ، فزيادته مردودة عليه ، بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها ، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله ، فيكون مردودا ، كمن زاد في صلاته ركعة عمدا مثلا ، وتارة لا يبطله ، ولا يرده من أصله ، كمن توضأ أربعا أربعا ، أو صام الليل مع النهار ، وواصل في صيامه ، وقد يبدل ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه ، كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم ، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب ، أو صلى في بقعة غصب ، فهذا قد اختلف العلماء فيه : هل عمله مردود من أصله ، أو أنه غير مردود وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب ؟ وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله ، وقد حكى عبد الرحمن بن مهدي عن قوم من أصحاب الكلام يقال لهم : الشمرية أصحاب أبي شمر أنهم يقولون : إن من صلى في ثوب كان في ثمنه درهم حرام أن عليه إعادة صلاته ، وقال : ما سمعت قولا أخبث من قولهم ، نسأل الله العافية ، وعبد الرحمن بن مهدي من أكابر فقهاء أهل الحديث ، المطلعين على مقالات السلف ، وقد استنكر هذا القول وجعله بدعة ، فدل على أنه لم يعلم عن أحد من السلف القول بإعادة الصلاة في مثل هذا . [ ص: 180 ] ويشبه هذا الحج بمال حرام ، وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه ، ولكنه حديث لا يثبت ، وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا ؟ . وقريب من ذلك الذبح بآلة محرمة ، أو ذبح من لا يجوز له الذبح ، كالسارق ، فأكثر العلماء قالوا : إنه تباح الذبيحة بذلك ، ومنهم من قال : هي محرمة ، وكذا الخلاف في ذبح المحرم الصيد ، لكن القول بالتحريم فيه أشهر وأظهر ، لأنه منهي عنه بعينه . ولهذا فرق من فرق من العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة فيبطلها ، وبين أن لا يكون مختصا بها فلا يبطلها ، فالصلاة بالنجاسة ، أو بغير طهارة ، أو بغير ستارة ، أو إلى غير القبلة يبطلها لاختصاص النهي بالصلاة بخلاف الصلاة في الغصب ، ويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نهي عنه فيه بخصوصه ، وهو جنس الأكل والشرب والجماع ، بخلاف ما نهي عنه الصائم ، لا بخصوص الصيام ، كالكذب والغيبة عند الجمهور . وكذلك الحج ما يبطله إلا ما نهي عنه في الإحرام ، وهو الجماع ، ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من المحرمات ، كالقتل والسرقة وشرب الخمر . وكذلك الاعتكاف : إنما يبطل بما نهي عنه فيه بخصوصه ، وهو الجماع ، وإنما يبطل بالسكر عندنا وعند الأكثرين ، لنهي السكران عن قربان المسجد [ ص: 181 ] ودخوله على أحد التأويلين في قوله تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ( النساء : 43 ) أن المراد مواضع الصلاة ، فصار كالحائض ، ولا يبطل الاعتكاف بغيره من ارتكابه الكبائر عندنا وعند كثير من العلماء ، وإن خالف في ذلك طائفة من السلف ، منهم عطاء والزهري والثوري ومالك ، وحكي عن غيرهم أيضا . وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما ، فما كان منها تغيرا للأوضاع الشرعية ، كجعل حد الزنا عقوبة مالية ، وما أشبه ذلك ، فإنه مردود من أصله ، لا ينتقل به الملك ، لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام ، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي سأله : إن ابني كان عسيفا على فلان ، فزنى بامرأته ، فافتديت منه بمائة شاة وخادم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : المائة الشاة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة ، وتغريب عام .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث