الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وممن توفي في هذه السنة من الأعيان السيف الآمدي أبو الحسن علي بن أبي علي ، بن محمد بن سالم التغلبي ، الشيخ سيف الدين الآمدي ، ثم الحموي ، ثم الدمشقي ، صاحب المصنفات في الأصلين وغير ذلك ، من ذلك " أبكار الأفكار " في الكلام ، و " دقائق الحقائق " في الحكمة ، و " إحكام الأحكام " في أصول الفقه ، وكان حنبلي المذهب ، فصار شافعيا أصوليا منطقيا جدليا خلافيا ، وكان حسن الأخلاق ، سليم الصدر ، كثير البكاء ، رقيق القلب ، وقد تكلموا فيه بأشياء ، الله تعالى أعلم بصحتها ، والذي يغلب على الظن أنه ليس لغالبها صحة ، وقد كانت ملوك بني أيوب كالمعظم والكامل يكرمونه ، وإن كانوا لا يحبونه كثيرا . وقد فوض إليه المعظم تدريس العزيزية ، فلما ولي الأشرف دمشق عزله عنها ، ونادى بالمدارس أن لا يشتغل أحد بغير التفسير والحديث والفقه ، ومن اشتغل بعلوم الأوائل نفيته ، فأقام الشيخ سيف الدين بمنزله إلى أن توفي بدمشق في صفر [ ص: 215 ] من هذه السنة ، ودفن بتربته بسفح قاسيون .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وذكر القاضي ابن خلكان أنه اشتغل ببغداد على أبي الفتح نصر بن فتيان بن المني الحنبلي ، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي ، فأخذ عن ابن فضلان وغيره ، وحفظ طريقة الشريف في الخلاف ، وزوائد طريقة أسعد الميهني . ثم انتقل إلى الشام واشتغل بعلوم المعقول ، ثم إلى الديار المصرية ، فأعاد بمدرسة الشافعية بالقرافة الصغرى ، وتصدر بالجامع الظافري ، واشتهر فضله ، وانتشرت فضائله ، فحسده أقوام ، فسعوا به ، وكتبوا خطوطهم باتهامه بمذهب الأوائل والتعطيل والانحلال ، فطلبوا من بعضهم أن يوافقهم ، فكتب :


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فانتقل الشيخ سيف الدين إلى حماة ، ثم تحول إلى دمشق ، فدرس بالعزيزية ، ثم عزل عنها ، ولزم بيته إلى أن مات في هذه السنة ، وله ثمانون عاما - رحمه الله تعالى وعفا عنه - .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      واقف الركنية الحنفية الأمير الكبير ركن الدين منكورس الحنفي الفلكي ، غلام فلك الدين أخي الملك العادل; لأنه واقف الفلكية كما تقدم ، وكان هذا الرجل من خيار الأمراء ، ينزل في كل ليلة وقت السحر إلى [ ص: 216 ] الجامع وحده بطوافة ويواظب على حضور الصلوات فيه مع الجماعة ، وكان قليل الكلام ، كثير الصدقات ، وقد بنى المدرسة الركنية بسفح قاسيون ، ووقف عليها أوقافا كثيرة ، وعمل عندها تربة ، وحين توفي بقرية جرود حمل إليها - رحمه الله تعالى - .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الشيخ الإمام العالم رضي الدين ، أبو داود سليمان بن المظفر بن غنائم الجيلي الشافعي ، أحد فقهاء الشافعية ببغداد والمفتين فيها والمشتغلين للطلبة مدة طويلة له كتاب في المذهب نحو من خمسة عشر مجلدا يحكي فيه الوجوه الغريبة والأقوال المستغربة ، وكان لطيفا ظريفا توفي رحمه الله يوم الأربعاء ثالث ربيع الأول من هذه السنة ببغداد . والحافظ أبو الحسن بن الأثير الشيخ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم ، الجزري الموصلي ، صاحب التصانيف الفائقة; منها الكامل في التاريخ من أحسن الكتب في هذا الفن وأبسطها في الحوادث ، وأما وفياته فليست مبسوطة بسط حوادثه ، وبالجملة فهو من عيون التواريخ وأمتعها ، وله من المصنفات المشهورة .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الشيخ طي المصري

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      أقام مدة بالشام في زاوية له بدمشق [ ص: 217 ] عند الرحبة التي يباع فيها الصناديق عند دار بني القلانسي ، شرقي حمام سامة ، وكان ظريفا كيسا زاهدا ، يتردد إليه الأكابر ، ودفن بزاويته المذكورة - رحمه الله تعالى - .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الشيخ عبد الله الأرمني ، أحد العباد الزهاد الذين جابوا البلاد ، وسكنوا البراري والجبال والوهاد ، واجتمعوا بالأقطاب والأبدال والأوتاد ، وممن كانت له الأحوال والمكاشفات ، والمجاهدات والسياحات ، في سائر النواحي والجهات ، وقد قرأ القرآن في بدايته ، وحفظ " القدوري " على مذهب أبي حنيفة ، ثم اشتغل بالمعاملات والرياضات ، ثم أقام آخر عمره بدمشق حتى مات بها ، ودفن بسفح قاسيون .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقد حكي عنه أشياء حسنة ، منها أنه قال : اجتزت مرة في السياحة ببلدة ، فطالبتني نفسي بدخولها ، فآليت أن لا أستطعم منها بطعام ، ودخلتها فمررت برجل غسال ، فنظر إلي شزرا ، فخفت منه ، وخرجت من البلد هاربا ، فلحقني ومعه طعام فقال : كل فقد خرجت من البلد . فقلت له : وأنت في هذا المقام وتغسل الثياب في الأسواق؟! فقال : لا ترفع رأسك ، ولا تنظر إلى شيء من عملك ، وكن عبدا لله ، ولو استعملك في الحش فارض به . ثم قال :

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 218 ]

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ولو قلت لي مت قلت سمعا وطاعة     وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقال : اجتزت مرة في سياحتي براهب في صومعة فقال لي : يا مسلم ما أقرب الطرق عندكم إلى الله عز وجل؟ قلت : مخالفة النفس . قال : فرد رأسه إلى صومعته ، فلما كنت بمكة زمن الحج إذا رجل يسلم علي عند الكعبة ، فقلت : من أنت؟ فقال : أنا الراهب . قلت : بم وصلت إلى هاهنا؟ قال : بالذي قلت لي . وفي رواية أنه قال له : عرضت الإسلام على نفسي ، فأبت ، فعلمت أنه حق ، فأسلمت وخالفتها . فأفلح وأنجح .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقال : وبينا أنا ذات يوم بجبل لبنان إذا حرامية الفرنج ، فأخذوني فقيدوني وشدوا وثاقي ، فكنت عندهم تلك الليلة في أضيق حال ، فلما كان النهار شربوا وناموا ، فبينا أنا موثوق إذا حرامية المسلمين قد أقبلوا نحوهم ، فأنبهتهم فلجئوا إلى مغارة هنالك ، فسلموا من أولئك المسلمين ، فقالوا : كيف فعلت هذا وقد كان خلاصك على أيديهم؟ فقلت : إنكم أطعمتموني ، فكان من حق الصحبة أن لا أغشكم . فعرضوا علي شيئا من متاع الدنيا ، فأبيت وأطلقوني .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وحكى السبط قال : زرته مرة وهو ببيت المقدس ، وكنت قد أكلت سمكا مالحا ، فلما جلست عنده أخذني عطش جدا ، وإلى جانبه إبريق فيه ماء [ ص: 219 ] بارد ، فجعلت أستحيي منه ، فمد يده إلى الإبريق وقد احمر وجهه ، وناولني وقال : خذ ، كم تكاسر . فشربت .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وذكر أنه لما ارتحل من بيت المقدس كان سورها بعد قائما حديدا على عمارة الملك صلاح الدين قبل أن يخربه المعظم ، فوقف لأصحابه يودعهم ، ونظر إلى السور وقال : كأني بالمعاول وهي تعمل في هذا السور عما قريب . فقيل له : معاول المسلمين أو الفرنج؟ فقال : بل معاول المسلمين . وكان كما قال .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقد ذكرت له أحوال كثيرة حسنة . ويقال : إن أصله أرمني ، وإنه أسلم على يدي الشيخ عبد الله اليونيني . وقيل : بل أصله رومي من قونية ، وأنه قدم على الشيخ عبد الله اليونيني ، وعليه برنس كبرانس الرهبان ، فقال له : أسلم . فقال : أسلمت لرب العالمين . وقد كانت أمه داية امرأة الخليفة ، وقد جرت له كائنة غريبة ، فسلمه الله بسبب ذلك ، وعرفه الخليفة فأطلقه .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية