الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( فصل ) :

                                                                                                                                في الشرط الذي يرجع إلى مكان العقد وأما الذي يرجع إلى مكان العقد فواحد وهو اتحاد المجلس .

                                                                                                                                بأن كان الإيجاب والقبول في مجلس واحد ، فإن اختلف المجلس لا ينعقد حتى لو أوجب أحدهما البيع فقام الآخر عن المجلس قبل القبول أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس ثم قبل لا ينعقد ; لأن القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر في المجلس ; لأنه كما وجد أحدهما انعدم في الثاني من زمان وجوده فوجد الثاني ، والأول منعدم فلا ينتظم الركن إلا أن اعتبار ذلك يؤدي إلى انسداد باب البيع فتوقف أحد الشطرين على الآخر حكما وجعل المجلس جامعا للشطرين مع تفرقهما للضرورة ، وحق الضرورة يصير مقضيا عند اتحاد المجلس ، فإذا اختلف لا يتوقف ، وهذا عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله الفور مع ذلك شرط لا ينعقد الركن بدونه .

                                                                                                                                ( وجه ) قوله ما ذكرنا أن القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر ، والتأخير لمكان الضرورة ، وأنها تندفع بالفور .

                                                                                                                                ( ولنا ) أن في ترك اعتبار الفور ضرورة ; لأن القابل يحتاج إلى التأمل ، ولو اقتصر على الفور لا يمكنه التأمل ، وعلى هذا إذا تبايعا وهما يمشيان أو يسيران على دابتين أو دابة واحدة في محمل واحد ، فإن خرج الإيجاب والقبول منهما متصلين انعقد ، وإن كان بينهما فصل وسكوت وإن قل لا ينعقد ; لأن المجلس تبدل بالمشي والسير وإن قل ، ألا ترى أنه لو قرأ آية سجدة وهو يمشي على الأرض ، أو يسير على دابة لا يصلى عليها مرارا يلزمه لكل قراءة سجدة ؟ ، وكذا لو خير امرأته وهي تمشي على الأرض أو تسير على دابة لا يصلى عليها فمشت أو سارت ; يبطل خيارها لتبدل المجلس وإن اختارت نفسها متصلا بتخيير الزوج صح اختيارها ; لأن المجلس لم يتبدل فكذا ههنا ، ولو تبايعا وهما واقفان انعقد لاتحاد المجلس ولو أوجب أحدهما وهما واقفان فسار الآخر قبل القبول أو سارا جميعا ثم قبل لا ينعقد ; لأنه لما سارا وسارا فقد تبدل المجلس قبل القبول ، فلم يجتمع الشطران في مجلس واحد ، ولو وقفا فخير امرأته ، ثم سار الزوج وهي واقفة فالخيار في يدها ، ولو سارت هي والزوج واقف ; بطل خيارها ، فالعبرة لمجلسها لا لمجلس الزوج .

                                                                                                                                وفي باب البيع يعتبر مجلسهما جميعا ; لأن التخيير من قبل الزوج لازم ، ألا ترى : أنه لا يملك الرجوع عنه ، فلا يبطل بالإعراض وأحد الشطرين في باب البيع لا يلزم قبل قبول الآخر ، فاحتمل البطلان بالإعراض ، ولو تبايعا وهما في سفينة ; ينعقد سواء كانت واقفة أو جارية ، خرج الشطران متصلين أو منفصلين ، بخلاف المشي على الأرض والسير على الدابة ; لأن جريان السفينة بجريان الماء لا بإجرائه ألا ترى : أن راكب السفينة لا يملك ، وقفها ، فلم يكن جريانها مضافا إليه ، فلم يختلف المجلس فأشبه البيت ، بخلاف المشي ، والسير ، أما المشي فظاهر ; لأنه فعله ، وكذا سير الدابة مضاف إليه ألا ترى : أنه لو سيرها سارت ، ولو ، وقفها ، وقفت فاختلف المجلس بسيرها ، ولهذا لو كرر آية السجدة في السفينة ، وهي جارية لا يلزمه إلا سجدة ، واحدة كما لو كررها في بيت ، واحد .

                                                                                                                                وكذا لو خير امرأته في السفينة ، وهي جارية فهي على خيارها ما لم يوجد منها دليل الإعراض ، وعلى هذا إذا أوجب أحدهما البيع ، والآخر غائب فبلغه فقبل لا ينعقد بأن قال : بعت عبدي هذا من فلان الغائب بكذا فبلغه فقبل ، ولو قبل عنه قابل ينعقد ، والأصل في هذا أن أحد الشطرين من أحد العاقدين في باب البيع يتوقف على الآخر في المجلس ، ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد الآخر فيما ، وراء المجلس بالإجماع ، إلا إذا [ ص: 138 ] كان عنه قابل ، أو كان بالرسالة أو بالكتابة أما الرسالة فهي أن يرسل رسولا إلى رجل ، ويقول للرسول : إني بعت عبدي هذا من فلان الغائب بكذا ، فاذهب إليه ، وقل له : إن فلانا أرسلني إليك ، وقال لي : قل له : إني قد بعت عبدي هذا من فلان بكذا فذهب الرسول ، وبلغ الرسالة فقال المشتري في مجلسه ذلك : قبلت انعقد البيع ; لأن الرسول سفير ، ومعبر عن كلام المرسل ناقل كلامه إلى المرسل إليه فكأنه حضر بنفسه فأوجب البيع ، وقبل الآخر في المجلس .

                                                                                                                                وأما الكتابة فهي أن يكتب الرجل إلى رجل أما بعد فقد بعت عبدي فلانا منك بكذا فبلغه الكتاب فقال في مجلسه : اشتريت ; لأن خطاب الغائب كتابه فكأنه حضر بنفسه ، وخاطب بالإيجاب ، وقبل الآخر في المجلس ، ولو كتب شطر العقد ثم رجع صح رجوعه ; لأن الكتاب لا يكون فوق الخطاب ، ولو خاطب ثم رجع قبل قبول الآخر صح رجوعه فههنا أولى ، وكذا لو أرسل رسولا ثم رجع ; لأن الخطاب بالرسالة لا يكون فوق المشافهة ، وذا محتمل للرجوع فههنا أولى ، وسواء علم الرسول رجوع المرسل أو لم يعلم به بخلاف ما إذا وكل إنسانا ثم عزله بغير علمه لا يصح عزله ; لأن الرسول يحكي كلام المرسل ، وينقله إلى المرسل إليه فكان سفيرا ، ومعبرا محضا فلم يشترط علم الرسول بذلك .

                                                                                                                                فأما الوكيل فإنما يتصرف عن تفويض الموكل إليه فشرط علمه بالعزل صيانة له عن التعزير على ما نذكره في كتاب الوكالة ، وكذا هذا في الإجارة ، والكتابة أن اتحاد المجلس شرط للانعقاد ، ولا يتوقف أحد الشطرين من أحد العاقدين على وجود الشطر الآخر إذا كان غائبا ; لأن كل ، واحد منهما عقد معاوضة إلا إذا كان عن الغائب قابل أو بالرسالة أو بالكتابة كما في البيع .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية