الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              3316 [ 1287 ] وعن عروة عن عائشة: أن سعدا قال: وتحجر كلمه للبرء ، فقال: اللهم إنك تعلم أن ليس أحد أحب إلي أن أجاهد فيك ، من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه ، اللهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني أجاهدهم فيك ، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها. فانفجرت من لبته ، فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا والدم يسيل إليهم ، فقالوا: يا أهل الخيمة! ما هو الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد جرحه يغذ دما ، فمات منها .

                                                                                              وفي رواية : قال: فانفجرت من ليلته ، فما زال يسيل حتى مات. قال: فذاك حين يقول الشاعر:


                                                                                              ألا يا سعد سعد بني معاذ فما فعلت قريظة والنضير؟     لعمرك إن سعد بني معاذ
                                                                                              غداة تحملوا لهو الصبور     تركتم قدركم لا شيء فيها
                                                                                              وقدر القوم حامية تفور     وقد قال الكريم أبو حباب
                                                                                              أقيموا قينقاع ولا تسيروا     وقد كانوا ببلدتهم ثقالا
                                                                                              كما ثقلت بميطان الصخور



                                                                                              رواه مسلم (1769) (67 و 68).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              وقوله : (وتحجر كلمه للبرء ) ; أي : تجمد ، وتهيأ للإفاقة ، فظن عند ذلك أنها [ ص: 596 ] تفيق ، فقال عند ذلك ما ذكره من الدعاء .

                                                                                              وقوله : ( وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها ، واجعل موتي فيها ) ; هذا منه تمن للشهادة ، وشوق لما عند الله تعالى ، وليس تمنيا للموت ; لضر نزل به الذي نهي عنه .

                                                                                              وقوله : ( فانفجرت من لبته ) ; كذا الرواية عن الأسدي ، بالباء بواحدة . وعن الصدفي : (من ليته) بلام مكسورة ، وياء باثنتين من تحتها ساكنة . وعند الخشني : (من ليلته) ، قال : وهو الصواب . واللبة : المنحر. والليت : صفحة العنق .

                                                                                              وقوله : ( فإذا سعد جرحه يغذ ) بكسر الغين ، وتشديد الذال عند كافة الرواة ، وعند بعضهم : (يغذو) ، ومعناه : يسيل . وهما لغتان. يقال : غذ الجرح يغذ مشددا ، وغذا يغذو ، وأنشدوا :


                                                                                              بطعن كفم الزق غذا والزق ملآن

                                                                                              وعند ابن ماهان : (يصب) مكان (يغذو) . وهو تفسير للفظ الأول .

                                                                                              [ ص: 597 ] قوله في الشعر : (فما فعلت قريظة والنضير ) ; الرواية عند الكافة بالفاء هكذا ، والصواب : (لما فعلت) باللام المكسورة ، وقد رواه بعضهم هنا كذلك ، وهي الرواية في السير ، ليس فيها غيرها .

                                                                                              وقوله :


                                                                                              تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفور

                                                                                              هذا ضرب مثل لعزة الجانب ، وعدم الناصر . ويريد بقوله : تركتم قدركم : الأوس لقتل حلفائهم من قريظة . وقدر القوم : يعني به : الخزرج لشفاعتها لحلفائها بني قينقاع ، حتى من عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وتركهم لعبد الله بن أبي ، وهو : أبو حباب المذكور في الشعر .

                                                                                              وقوله : ( كما ثقلت بميطان الصخور ) . ميطان : بفتح الميم ، وبالنون ، عليه أكثر الرواة ، إلا أن أبا عبيد البكري ضبطه بكسر الميم . قال : وهو من بلاد مزينة [ ص: 598 ] من أرض الحجاز . ووقع في رواية العذري : (بميطار) بالراء مكان النون. وفي رواية ابن ماهان : (بحيطان) ، بالحاء مكان الميم . قال القاضي عياض : والصواب ما تقدم .

                                                                                              وقائل هذا الشعر إنما قاله يحرض سعدا على استحياء بني قريظة وحلفائهم ، ويلومه على فعله فيهم ، فيذكره بفعل أبي حباب ، عبد الله بن أبي وشفاعته لحلفائه بني قينقاع .

                                                                                              ويستفاد من ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخيمة لسعد في المسجد مع ما كان عليه من الجراح والدم: أن الضرورة ، أو الحاجة إذا دعت إلى مثل ذلك جاز . وإن أدى إلى تلطيخ المسجد بشيء مما يكون من المريض ، لكن ذلك على حسب الحاجة والضرورة . والله تعالى أعلم . هذا إن تنزلنا على أنه كان بمسجد مخصوص مباح للمسلمين ، وإن تنزلنا على أنه كان بمسجد بيته كما تقدم ، لم ينتزع منه شيء من ذلك . والله تعالى أعلم .

                                                                                              وقد قدمنا : أن المساجد الأصل فيها: الأمر بتطييبها ، وتنظيفها ، ومباعدتها عن الأنجاس ، والأقذار . ووجه الضرورة في حديث سعد : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يجد له موضعا غير المسجد ، وكان بالنبي -صلى الله عليه وسلم- حاجة إلى معاهدته ، وتفقد أحواله ، فلو حمل إلى موضع بعيد منه ، أدى إلى الحرج والمشقة على النبي -صلى الله عليه وسلم- . وعلى هذا المعنى نبه الراوي بقوله : ( يعوده من قريب ) .




                                                                                              الخدمات العلمية